بوابة يناير
بوابة يناير
أخر الأخبار
حسام مؤنس يكتب: الإعلام فى قبضة السلطة .. كتبت يا أحمد ؟!
%d8%ad%d8%b3%d8%a7%d9%85-%d9%85%d8%a4%d9%86%d8%b3-jpg1_

اتفق أو اختلف كما شئت مع إبراهيم عيسى ، وقيم مواقفه خلال السنوات الماضية وما قبلها كما ترى ، لكن المؤكد أنه كان واحدا من الأصوات القليلة فى الساحة الصحفية والإعلامية التى تبنت مواقف واضحة فى الفترة الماضية تنتقد وتعارض وتختلف مع مجمل التوجهات الحاكمة ، وبالتالى فإن خسارة تلك المساحة بالوقف الأخير لبرنامجه ، فضلا عن الطريقة التى جرى بها الأمر ، تمثل خسارة كبيرة ، لا لشخص إبراهيم عيسى ، وإنما لفكرة الحرية ، وللمساحات المتاحة لرفع السقف المطروح سياسيا وإعلاميا ولتبلور الآراء ووجهات النظر المنتقدة للسياسات الحاكمة وإتاحة فرصة لها للتعبير عن رأيها وإقناع قطاعات شعبية ومجتمعية بخطابها .. وليست المسألة إذا ما كان الأمر قد تم بضغوط السلطة وأجنحتها ، أم بضغوط السعودية ورجالها ، وإذا ما كان تصدر مجلس النواب لمشهد الهجوم الأخير عفويا أم مخططا ومدبرا .. جوهر الأمر أن الإعلام الذى يتصور البعض أن يدار بطريقة (اكتب يا أحمد) ، والذى يتخيل أن دور هذا الإعلام هو التأييد والتهليل والتطبيل فحسب ، وإعتبار ذلك شحذا للهمم ومساندة للدولة ووقوفا إلى جوار الوطن ، هو فى الحقيقة يعود بنا قرون إلى الوراء ، ويصادر حقوق الناس فى المعرفة والإختلاف والتنوع ، ويغلق كافة منافذ التعبير السلمى ولو من باب وجود مساحات تمنع الإنفجار .

كان إبراهيم عيسى ولا يزال من الأسماء الواضحة والرئيسية فى إنتمائها لثورة يونيو ولمعارضة ومواجهة سلطة الإخوان .. ولكن لم يشفع ذلك له عندما تجاوز الأسقف المحددة للسلطة التى لا تقبل سوى التأييد والتهليل على طول الخط ، وبقدر محدود من النقد المسموح الذى تتسع الصدور له لإظهار الشكل الديمقراطى ، لكن إذا جرى تجاوزه فلا سبيل لديهم سوى المنع والتقييد .. وليست واقعة منع عيسى من تقديم برنامجه هى الأولى ، فقد سبقه آخرون ، بعضهم منذ وقت مبكر مثل يسرى فودة وريم ماجد وباسم يوسف ، ووصولا إلى محمود سعد وعمرو الليثى .. وكلهم على تفاوت التقديرات لهم ولمواقفهم ولإنحيازاتهم السياسية أو المهنية ، فقد كانوا فى طليعة المعارضين لحكم الإخوان وفى مقدمة من لعبوا أدوارهم الإعلامية والمهنية فى مواجهة سياسات الإستبداد والإقصاء فى عهد الإخوان ، لتطولهم نفس يد الإستبداد والإقصاء بعد 30 يونيو وبعد أن تصورت السلطة التى حكمت بعدها أنها تمكنت من فرض قبضتها على كافة المجالات ، وأولها الإعلام الذى يرغبون فى تطويعه كاملا والهيمنة عليه تماما ، لذا فقد شهدنا على مدار الفترة الماضية سيطرة شبه كاملة على قنوات تليفزيونية ومحطات إذاعية ، فضلا عن المؤيدين المهللين بحكم طبائعهم ومصالحهم ، والمنافقين لكل وأى سلطة .
لكن إذا كانت كل المواقف السابقة قد تمت فى ظل ضغوط وتضييقات غير مباشرة وبعضها غير معلن ، وانتهت بطريقة هادئة ، إلا أن ما جرى مع عيسى مؤخرا كان شديد المباشرة والفجاجة ، بدءا من الهجمة التى قادها مجلس النواب ورئيسه ضد عيسى وبرنامجه بالاسم ، ومرورا بقرارات وقف معرض الأثاث الذى ينظمه مالك القناة التى كانت تبث البرنامج ، ووصولا إلى الإعلان عن وقف البرنامج ببيان بدت إشاراته واضحة ومفهومة من عيسى ، لكنها بدت ملتبسة ومحل شكوك فى بيان القناة الذى زعم أن عيسى هو من قرر وقف برنامجه تفرغا لأمور أخرى !

الهدف لم يكن إبراهيم عيسى وبرنامجه فى ذاته ، بل تفويت الفرصة على أى إحتمالات فتح باب لأصوات مختلفة ومتنوعة ، ووقف أى رهانات على مساحات تفتح أبواب العودة إلى المجال العام والسياسى ، وإستمرار الأسقف المنخفضة على ما هى عليه .. ثم أن الحسابات والتوازنات المحلية والإقليمية يبدو أنها كانت طرفا مباشرا فى الأمر ، فمحاولات التصالح مع السعودية جارية على قدم وساق حتى وإن أدت للتفريط فى أرض مصرية ، وبالتالى فوجود أصوات تواصل توجيه إنتقادات واضحة وجذرية للسياسات السعودية والأفكار الوهابية مما قد يعطل ويعوق ذلك .. ثم أن الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية الراهنة لا تحتمل أصواتا تفتح الباب للنقد والإختلاف والمعارضة ، خشية أن تساهم فى تراكم الغضب من السياسات الراهنة التى تعود آثارها على عموم المصريين وبالذات فقرائهم وطبقتهم الوسطى .
فضلا عن هذا وذاك ، فإن محاولات الإنتصار لفكرة تصحيح وتجديد الخطاب الدينى بشكل جذرى تبدو غير مرغوبة ، فهذه قضية تستخدم بالأساس فى مواجهة التنظيمات الإرهابية والمتطرفة فى إطار الصراع السياسى معها ، أما تحولها لقضية جادة تفتح الباب للإجتهادات من مفكرين وباحثين ومثقفين ، فهى مسألة خارج حدود تصورات هذه السلطة التى تتمسح فى شعارات تجديد الخطاب الدينى ، بينما تحيله لمن وصلوا به إلى هذا الحال وسمحوا بكل هذا العبث من مؤسسات دينية رسمية تبقى بالأساس دائرة فى فلك السلطة ، ثم أنها سلطة تبدو شديدة التقليدية فى فهمها للدين ، بل وتستخدمه كما استخدمته غيرها ، فى فرض ما تراه من قيم وأخلاق ، وكأننا أمام سلطة جاءت لتربية الشعب لا لتحقيق طموحاته وأحلامه ، وبلا حد أدنى من التفرقة بين الوعظ والإرشاد الذى يحدثوننا به أحيانا عن التحمل والصبر ومكارم الأخلاق والشرف ، وبين المسئولية السياسية لسلطة ورئيس يحكمون لا ليعلموننا الأخلاق وإنما ليحققون للشعب الحياة الكريمة ويضمنون له الحصول على حقوقه وممارسة حريته .

وقف برنامج إبراهيم عيسى هو مجرد حلقة جديدة فى مسلسل طويل من فرض القيود والتضييق على الحريات فى هذا البلد ، والأمر ليس مقتصرا على الإعلام والصحافة ، بل هو إمتداد لما جرى منذ البداية مع قوى وأحزاب وحركات سياسية من تهميش وتضييق وتشويه ، ثم وصل لمحطة النقابات المهنية التى صار قيادات بعضها ملاحقين قانونيا وقضائيا بإتهامات ساذجة ، ومؤخرا الجمعيات الأهلية ومنظمات المجتمع المدنى التى أصبحت محاصرة بقانون جديد على وشك الإصدار رسميا فضلا عن إتهامات التمويل وقرارات المنع من السفر ومصادرة الأموال وغيرها .. ولا يمكن النظر لأى من تلك الأمور مفصولة عن غيرها ، كما لا يمكن فصل هذه السياسات فى مجالات الحريات عن مثيلتها فى الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية ، التى بلغت ذروتها بقرارات 3 نوفمبر بتعويم الجنيه ورفع أسعار الوقود وما لحق ذلك من موجات غلاء وتضخم كانت مؤكدة ومتوقعة دون الحد الأدنى من الإستعداد لمواجهتها وتقليل آثارها .. ثم لا يمكن فصله كذلك عن مجمل السياسات الخارجية التى تستعيد الآن الرهانات على الإدارة الأمريكية الجديدة وتدعو للسلام الدافئ مع العدو الصهيونى وتستعد للتفريط فى تيران وصنافير إرضاءا للأخ الأكبر السعودى .
لكن المشكلة الحقيقية فى كل ذلك ، هو أن هؤلاء الذين يحكموننا يتصورون أن الخطأ الكبير الذى وقع فيه من قبلهم هو أنهم تركوا هامش للحريات وللتعبير أدى فى النهاية للتراكم الذى وصل إلى ثورة يناير ، بينما هم الآن يصادرون كل المساحات والهوامش التى كانت متاحة ، إعتقادا بأن هذا يقضى على الغضب أو يلغى إحتمالات الإنفجار ، رغم أنهم فى الحقيقة بذلك يعجلون به ، فالناس لا تنتظر أن تسمع أصواتا وتقرأ مقالات تقول لهم ما يعيشونه يوميا من معاناة وما يرونه يوميا من إنتهاكات لكل حقوقهم .

ليس هدف هذا المقال هو الدفاع عن إبراهيم عيسى ، ولا مناقشة مواقف سابقة له قد تستحق نقد وخلاف معها ، لكنه على الأقل ورغم أنه كان من بين مؤيدى فكرة ترشح الرئيس الحالى عبد الفتاح السيسى ومؤيديه فى وقت الإنتخابات الرئاسية فى 2014 ، إلا أنه لم يكن مثل غيره ممن ساهموا فى ترسيخ حكم إستبدادى جديد ، بل وكان من القلائل إن لم يكن الوحيد الذى ناقشه بجدية أثناء حواره معه عندما كان مرشحا ودقق واختلف بعكس غيره ممن كانوا أقرب لتأدية التحية العسكرية لسيادة المشير وقتما كان مرشحا ، ثم ها هو قد عاد مجددا عندما صارت الأمور واضحة وقاطعة فى أننا نسير فى مسار من سئ إلى أسوأ ونعيد إنتاج سياسات وأخطاء الماضى ، لينتقد ويختلف ويعارض ، بينما لا يزال غيره يراهنون على حكمة الرئيس وسلطته فى الإنتصار للحرية أو العدالة الإجتماعية .
الهدف بوضوح وبإختصار هو أن تكون الرسالة واضحة بلا إلتباسات ، فهذه سلطة لا تقبل نقدا أو إختلافا ، حتى وإن جاء من المحسوبين على دعمها وتأييدها ، بل ولا تقبل نصحا حتى لأنها تعتبر نفسها أكثر وطنية من الجميع ، فرئيسها هو طبيب الفلاسفة ، وهو من يعرف مشاكل مصر وحلولها منذ سنوات ، ومع ذلك فهو لا يزال عاجزا عن مواجهتها أو عن إنجاز حلول حقيقية وجادة ، بل تورطنا سياساته فى المزيد من المشاكل والأزمات ، وإلى مدى لم يكن أكثر المتشائمين يتوقع الوصول إليه .

شاركـنـا !

تعليقات فيسبوك
أترك تعليق

فيسبوك
استطلاع

ماذا سيكون قرار البرلمان بشأن اتفاقية "تيران وصنافير"؟

View Results

Loading ... Loading ...
تابعنا علي تويتر
جميع الحقوق محفوظة لـ بوابة يناير © 2016