اخر الاخبار
الرئيسية / مقالات / حسام مؤنس يكتب: تيران وصنافير .. المعركة الكاشفة لإستبداد السلطة وخطاياها التى لا تغتفر

حسام مؤنس يكتب: تيران وصنافير .. المعركة الكاشفة لإستبداد السلطة وخطاياها التى لا تغتفر

فى 29 يونيو الماضى ، وبعد أيام من صدور حكم محكمة القضاء الإدارى ببطلان التوقيع على إتفاقية تعيين الحدود البحرية مع المملكة العربية السعودية ، قال رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسى خلال كلمته بحفل إفطار الأسرة المصرية خلال شهر رمضان ما نصه (اتفقنا على أننا حريصين على دولة المؤسسات ، والدولة تحترم كل مؤسساتها ، ولا تعليق على أحكام القضاء ، وأحكام القضاء ملزمة لنا) ..

بعد ستة شهور بالضبط ، ظل فيهم الحكم المشار له قائما ونافذا ، بل وصدرت أحكام برفض الإستشكالات التى أقامتها هيئة قضايا الدولة أمام القضاء الإدارى لتطالب بوقف تنفيذه ، لكن حكومة السيد الرئيس قررت الموافقة على الإتفاقية ، التى يفترض بالأساس أن يوقعها رئيس الجمهورية ، وقررت إحالتها إلى مجلس النواب ، والذى يفترض بالأساس أن تكون الإحالة له من رئيس الجمهورية ، وقبل أيام من الموعد الذى حددته المحكمة الإدارية العليا للفصل والنطق بالحكم النهائى البات بخصوص الطعن على الحكم الأول ، والملفت أن بيان الحكومة الذى أعلن قرار الإحالة جاء فيه أن ذلك يجرى (طبقا للإجراءات الدستورية المعمول بها فى هذا الشأن) !

(1)

 

ربما تبدو ملابسات قرار الإحالة واضحة لا تحتاج لتفحيص وتدقيق لفهمها ، فهى تأتى بعد أيام من زيارة سعودية سرية للقاهرة انكشفت أخبارها بصدفة لا نستبعد أن تكون متعمدة ، وقبل أيام من حكم المحكمة الإدارية العليا الذى يفترض أن يكون باتا ونهائيا ، ورغم أن كل التوقعات بخصوصه تبقى مفتوحة ، إلا أن الإحتمال المرجح فى ظل تقرير مفوضى الإدارية العليا ، وفى ظل الحكم السابق من القضاء الإدارى ، وفى ظل أحكام مجلس الدولة والإدارية العليا بشكل عام فى هذا النوع من القضايا الوطنية ، أن يأتى لصالح تأييد الحكم الأول ، بما يعنى بطلان نهائى وبات للتوقيع على الإتفاقية وإعتبارها منعدمة .

القرار بإحالة الإتفاقية ، ورغم أنه يأتى فى ظل حكم قضائى ، وقبل إنتظار آخر ، يأتى كذلك فى ظل سلسلة مفاجئة من طلبات الإحاطة لعدد من نواب إئتلاف دعم الدولة ، بخصوص عدم إحالة الإتفاقية ، وهو ما اتخذته الحكومة فى بيانها ذريعة ومبرر بدا ساذجا بأكثر مما يصدقه أى عقل لتوقيت الإحالة .

لكن رغم كل ذلك الوضوح ، إلا أنه يبدو مذهلا ومرعبا أن تصل السلطة إلى هذه الدرجة من الإستعداد للتضحية بأى حد أدنى من إحترام مواد الدستور أو نصوص القانون أو أحكام القضاء ، بل ووضع السلطات فى مواجهة بعضها البعض فى صدام قد تكون له عواقب خطرة ، على الدولة والمجتمع معا ، وصحيح أن تاريخ هذه السلطة ومن سبقوها فى التعامل مع الدستور والقانون والقضاء ودولة المؤسسات وما إلى ذلك ، يبدو شديد السلبية وبلا إحترام حقيقى لها وقناعة جادة بها ، لكنه يصل الآن إلى ذروة التجرؤ على كل قيمة ومعنى ولو من باب الشكل وحفظ ماء الوجه .

(2)

مثلما كانت مواقف بعض النواب منذ البداية مرحبة بإحالة الإتفاقية إلى المجلس بل واعتبار ذلك رد الحق لأهله ، على طريقة أن نرد الجزر للسعودية لأنها حقها كما كانت ولا تزال السلطة تروج ، والتى وصلت فى مزاعمها لإعتبار مصر دولة إحتلال قامت بإحتلال تلك الجزر ، إلا أنه فى المقابل كانت هناك مواقف أخرى بعضها ربما يبدو جديدا ومفاجئا ، ما بين الرفض الواضح للإتفاقية والتمسك بمصرية الجزر ، وما بين التمهل فى التعرض لها ومناقشتها فى مجلس النواب إنتظارا لحكم الإدارية العليا .. لكن المدهش أكثر أن أطراف محسوبة بوضوح على تأييد السلطة وحكومتها ، بل ومن داخل إئتلاف دعم الدولة أو قريبة منه ، تتخذ مواقف مشابهة ومقاربة .. وهو أمر يستدعى التوقف أمامه ، لا رهانا على مجلس النواب فى الحقيقة ، بقدر ما هو تعبير عن ثلاثة أمور متداخلة ومركبة ، أولها هو مواقف حقيقية وجادة لبعض النواب وبالذات كتلة 25/30 التى عبرت عن نفس الموقف الذى اتخذته منذ الإعلان عن تلك الإتفاقية ، وثانيها هو مواقف لنواب محسوبين على أطراف وأجهزة يبدو أنها تخشى من عواقب وآثار تمرير تلك الإتفاقية فى ظل وضع مجتمعى وشعبى محتقن ضدها وضد كثير من سياسات وإجراءات السلطة خلال المرحلة السابقة ، وثالثها هو مواقف تبدو مرتبكة وقلقة لنواب لا يعبرون عن موقف محدد بأكثر مما يطلبون التأجيل إنتظارا لحكم الإدارية العليا خوفا من الدخول فى وضع دستورى وقانونى معقد ستكون له آثاره وإنعكاساته على مجمل الأوضاع .

قد لا يعنى ذلك كله رهانا على مجلس النواب وإحتمالات رفضه للإتفاقية ، لكنه على الأقل يعنى أن هناك فرص ومساحات للضغط والتأثير ، على صعيد تأجيل نظره وقراره فى الإتفاقية حتى لو بدأ فى إحالتها إلى أحد لجانه أو لجنة مشتركة ، وهو الأمر المرجح والمتوقع أن يجرى سريعا ، وإن كان لا ينفى إحتمال أن يؤجل قرار المجلس إلى حين صدورحكم الإدارية العليا ، ولا ينفى أيضا إحتمال أن تؤدى الضغوط فى النهاية لقيام المجلس بدوره فى سرعة تمرير الإتفاقية قبل صدور حكم الإدارية العليا فى 16 يناير . لكن المؤكد أن هناك فرصة لدى القوى السياسية والقطاعات المجتمعية الرافضة لتلك الإتفاقية والمقاومة لسياسة التفريط غير المسبوقة فى جزء من الأرض المصرية ، لتكثف ضغوطها وتحقق نتائج ولو جزئية ومؤقتة ، وربما يبدو نموذج ما جرى مع قانون الخدمة المدنية فى عرضه الأول على مجلس النواب ماثلا أمامنا ، رغم أنه تم تمريره فى النهاية ببعض التعديلات على نصوصه .

(3)

ليس بعيدا عن هذه المشاهد ما يجرى ويحيط بمجلس الدولة خلال الأيام الماضية ، فمن مشروع قانون مفاجئ جرى طرحه فى مجلس النواب وبدء النقاش حوله بتعديلات على قوانين السلطة القضائية تقترح أن يكون تعيين رؤسائها بقرار من رئيس الجمهورية من بين مرشحين تقدمهم الهيئات القضائية ، وليست مشكلتنا هنا ضرب عرض الحائط بمبدأ الأقدمية الذى يتمسك به القضاة ، بل القضية الجوهرية هى أن تحال لرئيس الجمهورية صلاحية إختيار رؤساء الهيئات القضائية بكل ما يمثله ذلك من خطورة على فكرة إستقلال القضاء ولو نظريا ، ثم أن النظر لما هو أبعد قد يساعد فى فهم مقاصد طرح مثل هذا المشروع ، عندما نعلم على سبيل المثال لا الحصر أن المستشار يحيى الدكرورى هو الرجل المرشح ليكون رئيس مجلس الدولة المقبل بعد شهور ، وبالتالى فقد لا نستبعد مثلما سبق للسلطة أن أصدرت قانون مفصل على مقاس المستشار هشام جنينة تمهيدا لما جرى له ومعه بعدها من عزله وإحالته إلى المحاكمة وصدور أحكام إدانة ضده ، أن تكون السلطة تستعد أو على الأقل تلوح من باب الضغط بمشروع القانون المطروح حاليا لتكرار التجربة لكن هذه المرة مع القضاء نفسه .

ثم لا يبدو بعيدا عن ذلك أيضا الكشف المفاجئ عن قضية فساد مسئول المشتريات بمجلس الدولة ، والتى ظهرت الأسبوع الماضى محاطة بكم كبير من التفاصيل التى تطرح تساؤلات عديدة ، ثم الإعلان الأخير عن تورط الأمين العام لمجلس الدولة فى تلك القضية وتقدمه بإستقالته من المجلس . صحيح أن الرئيس قال مؤخرا أنه لا يجب أن نعتبر أن أى قضية فساد فى أى مؤسسة تشوه صورتها أو تطول المؤسسة ذاتها ، وصحيح أن القضية قد تكون حقيقية رغم بعض التساؤلات المحيطة بها ، لكن صحيح أيضا أن توقيت الإعلان عنها يستحق التوقف أمامه والتساؤل بخصوصه .

لا يمكن أن نستبعد أبدا أية إحتمالات لإستخدام ذلك كله وغيره فى الضغوط والتلويح والتهديد من سلطة تجبرت فى إستبدادها ، رهانا على أن تسفر هذه الضغوط عن مسارات فى الحكم المنتظر تدعم سعيها لإنهاء ملف الإتفاقية وتمريره كعربون محبة ومودة لإعادة العلاقات مع السعودية إلى مجاريها .

(4)

كان البعض يتصور فى الشهور الأخيرة أن السلطة قد تراجعت عن غيها واستجابت لصوت الحكمة والعقل ، وأدركت خطاياها فى موقفها من قضية تيران وصنافير ، وبدا الوضع ملتبسا رغم عدم وجود أى إعلان يؤشر على تراجع السلطة عن موقفها ، إلا أن الظن بأن هناك تغير فى الحسابات والعلاقات ، وقدر من مراجعة مآلاتها ، خصوصا فى ظل ما جرى من توترات وأزمات مع السعودية خلال المرحلة السابقة ، وتحولات فى موازين القوى فى بعض الملفات الإقليمية القائمة .. إلا أنه يبدو أن ريما لم تبرح عادتها القديمة ، بل وعادت أسوأ من كل الظنون وأخطر من كل الإحتمالات وأكثر تجبرا من كل التوقعات .

لم تعد قضية تيران وصنافير ، وهى لم تكن بالأساس ، محض قضية قانونية وقضائية ، فقد كان مهما ومفيدا أن تكون هناك جهة محل ثقة ومصداقية تنظر فى الوثائق والمستندات وتناقش الحقائق وتفند المزاعم ، لتثبت فى النهاية مصرية الجزر وبطلان الإتفاقية .. لكن مصرية الجزر أمر محسوم يقينا دون أن ينتظر حكما قضائيا ، وبطلان الإتفاقية واقع منذ توقيعها بيد رئيس الوزراء الذى لا يزال محل تساؤل مريب حول أسباب قيامه بالتوقيع بدلا من رئيس الجمهورية ..

القضية الآن بوضوح شديد هى قضية مقاومة للتفريط فى الأرض والتنازل عنها ، ومواجهة للإستبداد الذى بلغ مداه بما لم يكن متوقعا فى أسوأ التصورات ، ودفاعا عن الدستور ومواده والقانون ونصوصه اللذين يجرى التلاعب بهما وإهدارهما ، وإنحيازا لإلزام أحكام القضاء بالذات عندما تنحاز لحقوق واضحة لا لبس فيها ، والأهم من ذلك كله أنه رهانا على إرادة شعب ظنت السلطة أن إختباراتها المتتالية له لقياس مدى إستعداده لأى تحرك وردود فعله على الظروف والأوضاع الصعبة والمؤلمة التى يعيشها قد أتت ثمارها .

هذه لحظة إختبار حاسمة ، لا للسلطة ورئيسها وحكومتها ، ولا لمجلس النواب وموقفه ، بل للشعب المصرى كله ، ولقواه الحية ونخبه الوطنية وشبابه ، وهى بوضوح شديد معركة إختبار لقوة المجتمع فى مواجهة إستبداد السلطة ودفعها لنا فى طريق المجهول على كافة المسارات ، وهى معركة لن تتوقف عند حدود قضية تيران وصنافير ، أيا ما كانت نتائجها النهائية ، بل ستمتد وتطول آثارها مجالات وقضايا عديدة فى ظل الأوضاع السياسية والإقتصادية والإجتماعية البائسة التى أوصلتنا لها السياسات الحاكمة .

شارك برأيك

شاهد أيضاً

مروة مغربي تكتب: هؤلاء هم معتقلو الفسحة

فى التاسع والعشرين من مايو الماضى، قررت نيابة حوادث جنوب القاهرة القبض على شابين وأربعة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.