اخر الاخبار
الرئيسية / مقالات / تامر إبراهيم يكتب : طعنة البطرسية ورصاصة حلب

تامر إبراهيم يكتب : طعنة البطرسية ورصاصة حلب

كنت في طريقي الي الأسكندرية وجائني أتصال هاتفي يعزيني فيما حدث, لم أكن أعرف أي شئ, حتي تلقيت صفعة عنيفة علي وجهي حينما أخبرني صديقي أنه تم تفجير الكنيسة البطرسية بالعباسية ووقع عدد كبير من الضحايا منهم أطفال وإناث أثناء صلاة قداس يوم الأحد وفي يوم يحتفل فيه المصريين بالمولد النبوي الشريف.
لم تمر أيام معدودة وتلقي الجانب الآخر من وجهي صفعة آخري بعد مشاهدة صور مؤلمة جدًا لما يحدث في حلب. دماء متناثرة علي جنبات الطرق وخراب يشكل صورة قبيحة للعين مؤلمة للواقع, أحباء أفترقوا ورصاصات كتبت النهاية لكل شئ جميل.
الطعنة لم تأتي من صوت الأنفجار وأرتفاع الأشلاء عنان السماء, لم تأتي من لحظة أنتهاء عمر أطفال أو سقوط دماء فوق أيقونة العذراء مريم, بل أتت بما لحق المذبحة من تعليقات علي فيس بوك أو تويتر, فالضحايا دفنوا قبل أن تجمع أشلائهم والأطفال ذهبوا الي مثواهم الأخير قبل أن تشيع جثامينهم, والعذراء مريم ظلت ملطخة بالدماء لفترة طويلة ولم يفكر أحدًا أن يمسح عنها تلك الدماء ويعيدها جميلة كما كانت قبل أن يدرك الموت مجموعة من المصلين لا ناقة لهم ولا جمل في أي شئ, وأصبح المشهد أكثر المًا من مشهد الأجساد المتشرزمة, فأنقسم المتابعون فصائلاً متنازعة فوق الأجساد وعلي الدماء, فهؤلاء تركوا المذبحة بموتاها ومصابيها وقرروا أن يتهموا النظام الحاكم بشكل مباشر في تلك الواقعة الأليمة مستشهدين بواقعة كنيسة القديسين دون أدني أنتظار لبضعة, وهؤلاء قرروا إتهام جماعة الأخوان المسلمين بالتحريض علي قتل المسيحيين وتنفيذ تلك العملية مستشهدين بما حدث من حرق للكنائس عقب فض أعتصامي رابعة والنهضة, وفريق آخر خرج ليذبح بسيف الأتهام رقبة المسيحيين أنفسهم بأنهم هم من دبروا الحادث بالأتفاق مع جهات أمنية لتشوية صورة الأسلام. كل تلك الفرق تنازعت بشراسة في الوقت الذي كانت فيه دماء المصابين تسيل دون توقف وأشلاء الضحايا لم تجمع بعد, فقاموا جميعًا بإعادة أغتيال من ماتوا ومن أصيبوا مرارًا وتكرارًا بتوزيعهم التهم كلاً علي حسب قناعاته السياسية دونما النظر الي فجاجة الواقعة والم الحادث, فتلقيت تلك الطعنة بذبح شديد ليس كمسيحي يحيا في هذا البلد بل كمواطن مصري أعياه مشهد الدماء.
لم تكن الطعنة كافية علي الأطلاق وكنت في حاجة الي رصاصة رحمة تجعلني أشعر بالموت وحتي وإن كنت أتنفس, وأتت تلك الرصاصة من تدوينات اليكترونية معبأة بالكره والبغض والطائفية والعنصرية والجهل المدقع الذي نحيا فيه أو بالأحري يسير في عروقنا وأوردتنا, فما شاهدته من صور لما يحدث في حلب أدمي قلبي وأشعرني بأن هذا الكوكب اللعين الذي يحتوينا لم يعد مناسبًا أو صالحًا للحياة بأي شكلاً من الأشكال, وتعمدت أن أدعي الله أن يعجل بيوم القيامة كي تزول كل مشاهد الحروب والدماء والموت التي أصبحت يومية. الرصاصة أطلقت من فوهة بندقية صوبت تجاه ضحايا الحرب في سوريا وضحايا الأنسانية في مصر, ففريق قرر ذبح الموتي بتوزيع التهم علي نظام بشار الأسد والجيش السوري بقتل المدنيين العزل في معركة حلب, وفريق آخر أتهم الجماعات المسلحة المواجهة لنظام بشار وحاكموهم بتهمة الأرهاب, وآخرون أتهموا روسيا بقتل المدنيين ومن بينهم الأطفال والنساء بل وصفقوا تهليلاً عقب قتل السفير الروسي بتركيا معتبرين هذا المشهد قصاص عادل لسكان حلب. تصارعت الهاشتاجات بين حلب تباد وحلب تتحرر وتصارع معها المصريون متنازعين ومحللين دماء بعضهم البعض أو مزايدين بالأنسانية والوطنية علي بعضهم البعض, ولم يفكر أحدًا في تقصي الحقائق دون أدني أنتماء سياسي أو رقص فوق جثث الضحايا في حلب, قتل الموتي مائة مرة بعدما تفرقت دمائهم بين الفصائل المتنازعة, وتلقيت أنا رصاصة قتلت في الشعور بالأمل تجاه عالم أفضل للأنسان في هذه البقعة الحزينة والتعيسة من العالم المسماه بالشرق الأوسط.
لندرك في النهاية أنه يجب علينا محاكمة أنفسنا, فنحن نجيد الرقص فوق الدماء طالما دماء تتعلق بالمعارضين لنا, وننصب أصونة العزاء علي دماء طالما كانت منتمية لنا, فلا داعي أن نتدعي الأنسانية أو نرتدي عباءة الحق ونحن لا نريده سوي لأنفسنا فقط, لنحاكم أنفسنا علي كل الدماء التي راحت هدر بسبب توزيعها علي عدة فصائل متنازعة, متناسين أن شيوع الأتهام يفسد الأدلة, لنحاكم أنفسنا علي الجهل المدقع الذي يحكمنا, والعنصرية التي تسيرنا, والأرواح التي قتلت مرة بيد ظالم وقتلناها مرارًا بأيدي المصلحة العامة والمكاسب الفردية, ولنصلي بعد المحاكمة أن يرحمنا الله كعظيم رحمته وليس كخطايانا

شارك برأيك

شاهد أيضاً

نظرية “الشكوكية” الفلسفية ومفاتيح التغيير

شيماء الريس  ما الفعل لو اكتشفت انك مخطئ يوم القيامة ؟ أعوام معدودة ، ثم …

شارك برأيك