اخر الاخبار
الرئيسية / مقالات / حازم حسني يكتب: رأي آخر في مقتل السفير الروسي

حازم حسني يكتب: رأي آخر في مقتل السفير الروسي

“أخرجوا من بلادنا أيها المهتدون، سفاكو الدماء، إننا نُقتل بأسلحتكم، وسوف نصل إليكم في أي مكان، أولادنا يعرفون أنكم سفاكو دماء”.. هكذا قال محمود نور الدين مؤسس وقائد تنظيم “ثورة مصر” لجون هوكي رجل الاستخبارات الأمريكية.

ولمن لا يعرف ذلك التنظيم، فإنه التنظيم الذي استهدف رجال يعملون ضمن البعثات الدبلوماسية في السفارتين الأمريكية والصهيونية، في الثمانينات، وقتل بالفعل موظفين فيهما.

أذكرهذا التنظيم للشباب الذين أدانوا بحرقة العملية التي قام بها البطل مولود ميرت ألطنطاش، وقتل فيها سفير روسيا أندريه كارلوف، وكأنهم نسوا أن روسيا تقاسمت مع أمريكا احتلال سوريا عسكريا، واشتركا الاثنان سويا في قتل وتشريد الآلاف من الشعب السوري، بعد أن هدموا بيوتهم ودمروا الأخضر واليابس.

وأضرب هذا المثال تحديدا لأن المستهدفين والمقتولين من البعثات الدبلوماسية، ورغم ذلك خرجت الشعوب العربية جميعها في مظاهرات تأييدا لعمليات التنظيم، واحتجاجا على محاكمة نظام مبارك لهم، بل اتفق الفرقاء من أقصى اليمين لأقصى اليسار على ضرورة مؤازرتهم، في مواجهة التوغل الأمريكي والصهيوني في المنطقة العربية، رغم أن أمريكا في هذا الوقت لم تكن تحتل دولة عربية واحدة!

ولعله من المثير للاشمئزاز أن يلبس شباب اليوم إدانتهم لقتل السفير الروسي، وتشويههم للبطل التركي ألطنطاش ثوبا دينيا، عندما يزعمون أن السفير المجرمذمي مستأمن، نهى النبي محمد عن قتله هو وأمثاله من سفراء الدول، حتى لو كانت دولهم استعمارية محاربة ناهبة لثروات الشعوب، وكأن النبي كان ليرضى بأن تفتتح قريش سفارة لها في المدينة، ليقتل أبو لهب المسلمين في مكة، ثم يرسل الرسائل مع السفراء المقيمين في المدينة، لتنظيم المعاملات التجارية والاقتصادية وغيرها في مأدبة عشاء آخر الليل.

إن ألطنطاش هو أخ لمحمود نور الدين ورفاقه، وستظل هذه الشعوب المحتلة تلد الآلاف من مثل هؤلاء الأبطال، الذين يعبرون عن ضمير وغضب الشعوب المحتلة والمقهورة والمنهوبة والمشردة، والذين لا يعترفون بدبلوماسية يفرضها عليهم النظام العالمي الرأسمالي الظالم، وينفذون ما يجب على الأحرار من الشعوب، التي ترزخ تحت نير الاحتلال كسوريا وفلسطين، فعله؛ وسيلاحق العار من ترك سلاحه، وارتضى بالدبلوماسية في مواجهة الدبابات والطائرات والرصاص.

قد يكون هذا المفهوم غريبا في زمن أصبح الاحتلال أمرا طبيعيا، ونتيجة لاستسلام كثير من الشباب لدعاية الأنظمة لجعل المقاومة المسلحة مجرد صفحات في كتب التاريخ، لكن هذا ما يجب مقاومته بكل ما أوتينا من قوة، لمواجهة حالة الاستكانة والمذلة التي لحق بشعوب المنطقة أمام القوى الاستعمارية والرأسمالية، باستعادة الروح التي كانت تسري فيها من قبل، واستعادة مفهوم المقاومة المسلحة، ونفي صفة الإرهاب عنها، باعتبار أن الشعوب المحتلة من حقها، بل واجب عليها، مقاومة المحتل بالسلاح.

ألطنطاش ومحمود نور الدين قالوها قولا واحدا “اخرجوا من أرضنا أيها المجرمون، وإلا ستواجهون مقاومة شعبية ترسلكم  إلى الجحيم”.. ردد الضابط التركي نفس ما قاله ضابط المخابرات المصري المستقيل احتجاجا على “كامب ديفيد” محمود نور الدين، قال: “والله لن تذوقوا الأمان إذا كانت بلادنا لا تذوق طعم الأمان، كل من له يد في هذه الظلم سيدفع الثمن”، ونال الاثنان نفس التشويه الذي مارسته آلات الحرب الإعلامية التي تتحكم فيها الأنظمة، ففي مصر قالت الصحف القومية عن نور الدين ورفاقه أنهم إرهابيين، وتفانى صحفيو الحكومة، أمثال مكرم محمد أحمد، في ذلك، وهكذا قالت الصحف الحكومية التركية عن ألطنطاش، وكان مصير الأول الموت في السجن، في حراسة ضباط أقل منه رتبة، والثاني القتل برصاص زملائه الضباط.

لكن حظ محمود نور الدين ورفاقه كان أفضل من أخيهم ألطنطاش، ففور الإعلان عن القبض عن أعضاء تنظيم “ثورة مصر” تداعت كل الأطياف السياسية المختلفة، للدفاع عن أعضاء التنظيم، شيوعيون وإسلاميون وناصريون وقوميون ووفديون، وشكلت أحزاب المعارضة لجنة التنسيق لهيئة الدفاع عنهم، وضمت هذه اللجنة المحامين الدكتور عصمت سيف الدولة (قومي)، وفريد عبد الكريم (وكيل مؤسسي الحزب الاشتراكي العربي الناصري)، والدكتور محمد سليم العوا (إسلامي)، وأحمد نبيل الهلالي (شيوعي)، وعبد العزيز محمد (وفدي)، وشوقي خالد واحمد مجاهد (حزب العمل)، ونقيب المحامين أحمد الخواجة، وعشرات من المحامين المصريين غيرهم، بالإضافة إلى محامين من دول عربية أخرى، منهم نقيب محامين الأردن حسين مجلي، الذي أعلن أمام المحكمة أنه يتمنى أن يكون بين المتهمين، لا بين المدافعين عنهم، طالما أن المقتولين يحتلون أرضا عربية، ويعتدون على الأمة العربية، ودافعت صحف المعارضة حينها (الأهالي، الوفد، الشعب، الأحرار) عن التنظيم، وكانت المفارقة أن صدر بيانين في توقيت واحد، صادرين من عدوين تقليديين، هما حزب التجمع الشيوعي والجماعة الإسلامية، يعلنان تأييدهما لعمليات “ثورة مصر” ودعمها للمتهمين، طالما أن المستهدفين محتلين لأرضنا.

أما ألطنطاش التركي فلم يكن له من يدافعون عنه، إلا أصواتا ضعيفة، لم تجد متنفسا لها إلا صفحات التواصل الاجتماعي، بعد أن أصبح نشر مثل هذا المقال يمثل تهديدا بالسجن لصاحبه بقوانين الإرهاب التي باتت تحكم الشعوب العربية المقهورة من سلطات غاشمة من الداخل ودولا استعمارية تأتيها من الخارج.

ومن المحزن أن أقرأ بيانا لحزب التجمع، يعتبر قتل سفير روسيا المحتلة، ويصف البطل منفذ العملية بـ”الإرهابي”، وكأن يدين موقفه السابق بتأييد عمليات تنظيم “ثورة مصر” ضد دبلوماسيين وبعثات دبلوماسية صهيونية وأمريكية، وشباب الإخوان أيضا أمرهم يدعوا إلى العجب، كيف لهم وهم أكثر “المولولين” على حلب ينتقدون قتل سفير الدولة التي قتلت السوريين وهدمت بيوتهم، وتسببت في تهجيرهم، أن يعتبروا ألطنطاش خائن للأمان الذي أعطاه أردوغان لهذا المجرم سفير المجرمين، لكن لا عجب فهم جزء من قطيع من قطعان الإمعات، وولائهم لخليفة المسلمين حتى لو أعلن التطبيع مع الكيان الصهيوني، كما حدث مؤخرا.

هذه الحالة من التخبط والانتهازية في أحيان كثيرة، خاصة في الموقف من سوريا، ومن فكرة المقاومة المسلحة، تحتاج إلى رفع راية ليست واقعة تحت تأثير دعاية الأنظمة، المبنية على الموقف من بشار، ولا دعاية الإخوان وباقي المتأسلمين، التي تستهدف أسلمة الصراع وإدخاله في نفق صراع “شيعي- سني”، تحت رعاية أمريكا. هذه الراية أولى برفعها الثوريون الحقيقيون، الذين واجهوا “التحالف العسكري الإخواني” ضد الموجة الأولى للثورة المصرية في يناير 2011، ثم لم يخيل عليهم صراعهما بعد الموجة الثانية للثورة في 30 يونيو 2013، الذي أدى إلى تشويه المقاومة المسلحة ووصمها بالإرهاب.

وعلى هؤلاء الشرفاء أن يعلنوا أنهم ضد الاحتلال الأجنبي، الذي نتج عن قمع بشار وأسلمة الصراع في سوريا، على حساب مصالح الجماهير السورية.. عليهم أن يرفعوا رايتهم في مواجهة رايات أنصار الاحتلال الروسي والأمريكي على حد سواء، وأن يعلنوا أن من حق الشعوب المحتلة أن تتخذ المقاومة المسلحة سبيلا لمواجهة محتليهم.

شارك برأيك

شاهد أيضاً

مروة مغربي تكتب: هؤلاء هم معتقلو الفسحة

فى التاسع والعشرين من مايو الماضى، قررت نيابة حوادث جنوب القاهرة القبض على شابين وأربعة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.