اخر الاخبار
الرئيسية / تقارير / الأثر “المحفوظى” فى القاهرة الفاطمية ..

الأثر “المحفوظى” فى القاهرة الفاطمية ..

الحارات والأزقة تحتفظ بأسمائها.. وأمينة الثلاثية تتحول لامرأة معيلة
..الصراع  الإيديولوجي  يذوب فى “السكرية” بحثا عن لقمة العيش..والحرفين
يهجرون مهنهم بخان الخليلى .. ولا احد يعرف شيء عن “حميدة” فى “زقاق المدق”.

كتبت: صفاء عاشور

سبعين عاما تفصل ما بين قاهرة “نجيب محفوظ” وبين القاهرة الفاطمية اليوم .. تلك المنطقة المحببة إلى نفس أديب نوبل، إذا كانت ساحة لأهم روايات المرحلة الواقعية فى تاريخ إبداعه الأدبى، التى تضمنت خمسة من أهم أعمال محفوظ، بدأ من الثلاثية بأجزائها: “قصر الشوق”، و”بين القصرين”، و”السكرية”، إضافة إلى روايتى “خان الخليلى”، و”زقاق المدق”، وجمعيها تحمل أسماء حوارى وشوارع تقع بقلب القاهرة الفاطمية.

ورغم السنوات التى تفصل بين تلك الأعمال الأدبية الخالدة وبين واقع
القاهرة الفاطمية اليوم، من تغيرات اجتماعية واقتصادية، إلا أن تفاصيل
بعينها، تحفظها تلك المنطقة، تسمح بتتبع الأثر المحفوظى، بدءاً من المنزل
رقم 8 ، بحارة “بيت القاضى”،حيث كان يقطن محفوظ، خلال سنوات طفولته
الأولى، مرورا بشارع المعز، وعشرات الحوارى والأزقة، التى مازالت تحتفظ
بأسمائها القديمة، بفضل مشروع مشترك بين مؤسسة اليونسكو ووزارة الآثار المصرية، لحفظ وترميم المبانى هناك.

“بيت القاضى”

الروائى جمال الغيطانى نقل عن نجيب محفوظ حديثة حول حارة “بيت القاضى” تلك، حيث شارك فى أحدى مظاهرات التى خرجت منها إبان ثورة 1919، التى قادها فى جميع أرجاء البلاد “سعد زغلول”، أحد القيادات الشعبية للوفد، حزب الأغلبية وقتها.

من المعروف أن محفوظ كان وفديا، وكذلك عائلته، فنقل ذلك الانتماء إلى
داخل الثلاثية، العمل الخالد، الذى  رفض نشره فى بدء الأمر، بسبب عدد
صفحاتها الضخم، قبل أن يقوم محفوظ بتقسيمه إلى ثلاث أجزاء، وإعطاء كل جزء اسم منفصل.

تتناول الثلاثية التغيرات التى طرأت على أحوال أسرة مصرية من الطبقة
الوسطى، بداية من النصف الأول من القرن العشرين، خلال ثلاثة أجيال، جيل الأب السيد أحمد عبد الجواد، وجيل الأبناء، من ضمنهم “فهمى”، و”كمال”، أقرب الشخصيات إلى شخصية نجيب محفوظ نفسه، ثم جيل الأحفاد، مع اختلاف انتمائهم وميولهم، من وفديين وإسلاميين ويسار.

%d9%86%d8%ac%d9%8a%d8%a8-1

يرجح أن يكون كاتب نوبل قد استمد تفاصيل المنزل الذى قطنه أسرة السيد
أحمد عبد الجواد، فى رائعته الثلاثية، من قصر الأمير “باشتاك”، القريب من
حارة بيت القاضى، حيث كان يسكن أديب نوبل، إضافة إلى قرب القصر من حارة “بين القصرين”، مسرح أحداث الجزء الأول من الثلاثية.

بينما تعرض القصر لتصدعات خلال الربع الأول من العام الماضى، مما أدى
إلى تغير معالمه، ويرجع تاريخ بناء القصر إلى العصر الفاطمي، و تحديدا
عام 740 هجريا، وقد اشتراه الأمير “باشتاك”، من ورثة الأمير “بدر الدين
بكتاش”، وكانت تسكنه عائلة “كرارة”، منذ بداية الثلاثينات من القرن
الماضى، وفى وقت قريب من أحداث كتابة الرواية، وقد رحلت العائلة عن
المنطقة عقب تصدع القصر، حاملة معها سيرة عائلتها وأسرار القصر.

“قصر الشوق”

أما الجزء الثانى من الثلاثية، والذى اختار له أديب نوبل عنوان “قصر
الشوق”، فقد مثل الحارة لتى يقع بها البيت الذى ورثة “ياسين” -اكبر أبناء
السيد “عبد الجواد”- عن والدته المتصابية سيئة السمعة، عقب وفاتها،
الحارة التى تقع خلف مسجد “الحسين”، مازالت تحتفظ باسمها، وقد بات يسكنها الفقراء، والعاطلين، ونسائها لا يعتززن بجمالهن، بقدر ما يشقين على لقمة العيش، لإعالة أسرهن.

%d9%86%d8%ac%d9%8a%d8%a8-2

كالسيدة “أم نجاة” ، أحد سكان الحارة، التى قاربت والدة “ياسين” فى السن، لكنها تسعى منذ الصباح للمساء على لقمة العيش، عن طريق كشك صغير تملكه بالحارة، بالكاد يستطيع أن يكفل مصاريف علاجها المكلف، تقول “أم نجاة” أن سبب تسمية الحارة بهذا الاسم، هو وجود قصر لأميرة كانت تسمى “شوق”، وإن الحارة بأكملها كان جزء من قصرها الواسع.. بل أن عدد من أهالى الحارة يذهبون لأبعد من ذلك، إذ يتحدثون عن بقايا كنوز مخفية للأميرة “شوق”، بمواضع مجهولة فى الحارة.

ربما لم تقرأ أم نجاة لنجيب محفوظ قط، لكن لحياتها بعدا فنيا يصعب
إغفاله، يصلح مادة لسيرة الحارة المصرية الحديثة، فزوج السيدة الراحل،
كان يملك قطعة ارض بمنطقة “الدويقة”، اشتراها فى السبعينات من القرن
الماضى، خلال سنوات حكم الرئيس الراحل “أنور السادات”، وقتها شجع السادات الاستثمار فى مجال البناء، فظهرت المناطق السكنية “بالدويقة”.

هكذا قام زوج السيدة “أم نجاة” الراحل بالبناء على تلك الأرض، بناية
مكونة من أربعة طوابق فى كل طابق شقتين، وكان دخل إيجار تلك الشقق، بنظام الإيجار القديم، يكفى لسد حاجة الأسرة، إلا أن انهيار صخرة “الدويقة” عام 2008، أدى إلى إزالة مسكن عائلة “أم نجاة”، بسبب تعرضه للخطر.

%d9%86%d8%ac%d9%8a%d8%a8-3
زوج السيدة “أم نجاة” لم يحتمل الصدمة، خاصة بعد إن قام الحى بتعويضهم
بشقة واحدة فقط، أسوة بباقى سكان البيت المزال، فأقعده المرض والغم،
وتوفى بعد ذلك الحادث فى غضون بضعة اشهر.

“حارة السكرية”

الجزء الثالث من ثلاثية محفوظ، حمل اسم “السكرية”، حيث بيت عائلة
“خديجة”، ابنة السيد عبد الجواد، ويمثل البيت الجيل الجديد الذى عاصر
قيام ثورة 23 يوليو، من خلال أبنى “خديجة”: “عبد المنعم” و”احمد”،
المهمومين بالقضايا السياسة، على اختلاف تيارهما السياسى: الإسلامى
واليسار.

الهموم السياسية اختفت من الحارة الآن، وحل محلها البحث عن لقمة العيش،
فى ظل الارتفاع المستمر لأسعار السلع الرئيسية، وتقع حارة “السكرية”
ناحية منطقة “الغورية”، خلف باب “زويلة”، وتبدأ بسبيل “نفيسة البيضاء”،
وقد تغير اسمها إلى حارة “القاياتى”، نسبة إلى “مصطفى القاياتى”، شيخ
مشايخ الأزهر فى بداية القرن العشرين ، ومازال بيته يتوسط الحارة، وقد
حوله الورثة إلى مصنع بدائى لصناعة الشموع.

%d9%86%d8%ac%d9%8a%d8%a8-4
يمكن معرفة أسباب اختيار أديب نوبل لحارة “السكرية”، فقد كان “القاياتى”
منتميا لحزب الوفد، وأيضا من قيادات ثورة ال1919، وتعرض للسجن على يد
قوات الاحتلال الانجليزي وقتها، بسبب مواقفه الوطنية تلك.

ومازال أهالى الحارة يذكرون أسمها القديم “السكرية”، ويعيبون على
المسئولين عدم الإشارة إلى اسمها الأصلى فى اليافطة المدون عليها الاسم الحالى، خاصة وان رواية “السكرية” كانت ومازالت من العلامات المميزة، التى أدت إلى شهرة الحارة حتى يومينا هذا.

يقول “سيد العربى”، أحد العاملين بورشة صناعة الجلود اليدوية “بالسكرية”، أن الحارة تعد زاخرة بالمعالم، فبالإضافة إلى “القاياتى” و”سكرية” “نجيب محفوظ”، توجد بالحارة سبيل نفيسة البيضاء، وأحيانا ما كان يطلق على الحارة أيضا اسم حارة الحمام، نسبة إلى حمام بلدى شهير، كان من معالم الحارة قبل صدور قرار بغلقه.

“خان الخليلى”

في “خان الخليلي” عجز بطل الرواية، الموظف الأربعيني “احمد عاكف” عن
النوم في ليلته الأولى “بالخان” ، بسبب الضوضاء التي تملئ الأجواء، فصناع
النحاس، و النجارين، و صناع الجلود، و الأرابيسك، و الزجاج، كانوا يقومون
بأعمالهم  في دأب ، فبعكس الأفندية، اعتاد الحرفيون السهر حتى منتصف
الليل، للانتهاء من أعمالهم اليدوية لعرضها في اليوم التالي.

تبدأ الرواية بانتقال أسرة عاكف من حي “السكاكيني” إلى حي “خان
الخليلي”، بعد الغارة التي شهدها الحي من القوات الألمانية أثناء الحرب
العالمية الثانية ، و كان سبب الانتقال هو الاحتماء في جامع “الحسين”،
الذي لن يجرؤ الألمان على ضربه، حتى لا تغضب الأمة الإسلامية، فضلا عن
حماية الله للحى.

%d9%86%d8%ac%d9%8a%d8%a8-5

الأمر الذي يؤكده المعلم “محسن” صاحب أقدم ورشة لمصنوعات النحاس اليدوية بربع “السلحدار” ب”خان الخليلي” ، و التى اشترها جده الحج محسن عام 1940، قبل بداية الحرب العالمية الثانية ، يضيف “محسن”: ” لم يخشي احد من الحرب على حي الحسين كما قال جدي لنا” ، و أن شهدت فترة الحرب كساد واضح وقتها، لكنه اقل مما يشهده أصحاب الحرف اليدوية الآن ، فالمنتجات الصينية ” خربت الدنيا “.

عم حسن  الاسطورجي أكد أن المنتجات الصينية فشلت في تقليد الأرابيسك و الصدف الذي يحتاج إلى عين خبير، إضافة إلى مقدرة فنان لا تجاريها الآلات مهما تطورت، إلا أن رخص المنتج الصينى، يدفع الزبائن إلى التخلى عن أصالة المنتج.

أحد العاملين بورشة للفضة، مجاورة لورشة الحج “حسن” “بربع السلحدار”، قال أن الربع منذ 180 سنة، كان مقصد لسكن  طلبة الأزهر، قبل ذلك كان الربع إسطبل لخيول التجار الذين جاءوا لبيع تجارتهم في الخان ، في الأربعينات و الثلاثينيات بدأت ورش النحاس و الفضة فى الظهور، حيث كانت تملأ الحي ضجيجيا ، الآن يهجر أصحاب الورش ورشهم ، ربما تلبية لأحد رغبات “احمد عاكف” لانتهاء حالات الأرق الليلية .

فى زقاق المدق مازالت اغلب العائلات التى عاصرت زمن قاهرة نجيب محفوظ، تورث مساكنها ومحلاها لأولادها وأحفادها، وعند زيارتك للزقاق، يمكن أن تجد المقهى ودكان العطارة، الذى حكى عنهما أديب نوبل فى روايته.

فيما رفض الورثة الحديث عن الرواية، لما يحمله أبطالها من صفات الشقاوة
وتجارة المخدرات، مما يخالف طبيعة سكانها الأصليين، فرغم أن محفوظ كان
يقصد أن يتحول الزقاق فى روايته إلى رمز مصغر لحوارى مصر، خلال الحرب
العالمية الثانية، إلا أن بعض أهالى الحارة ما زالوا يرون فى الرواية،
إسقاط مرفوض على واقع أجدادهم.

 

شارك برأيك

شاهد أيضاً

فشير يضع 7 ملاحظات حول الترشح لليونسكو

بوابة يناير: كتب السفير عزالدين شكري فشير سبع ملاحظات له على الترشح للأمانة العامة لمنظمة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.