بوابة يناير
بوابة يناير
أخر الأخبار
تامر إبراهيم يكتب: إنسانيتنا المزيفة وأصنامنا المقدسة
%d8%aa%d8%a7%d9%85%d8%b1-1-1

في البداية أؤيد تمامًا محاكمة نجيب محفوظ بتهمة خدش الحياء العام, وأؤيد تمامًا إقامة محاكمة اليكترونية لكلاً من محمد منير وهشام الجخ وفريق بلاك تيما, وأؤيد تمامًا أيضًا جميع الدعوات التي تطالب بإقصاء شباب الثورة من كل مشاهد الحياة, بل وأؤيد أيضًا دعوات بعض الشباب لبغض جيل كامل وفئات ميعنة تدافع عن أي رئيس بأستماتة, وقبل أن تسبني علي كل تلك مشاهد التأييد الوقحة دعني أفسر لك موقفي وأوضح لك قناعاتي قبل أن تؤيد أنت قتلي أو البصق علي مقالتي.

تأييدي لمحاكمة نجيب محفوظ يأتي كمشهد من مشاهد مسلسل إنسانيتنا المزيفة وأصنامنا المقدسة, فالدعوة التي أطلقها أحد نواب مجلسنا الموقر بمحاكمة نجيب محفوظ لأن أعماله خادشة للحياء وهادمة لثوابت مجتمعنا الأخلاقية الإنسانية, تبدو منطقية للغاية ولكن لتبدو واقعية علينا أيضًا أن نؤيد محاكمة هذا النائب شخصيًا بنفس التهمة, فهو صمت علي العديد من المشاهد الخادشة للحياة بقسوة, وصمته التام يعد مواقفة علي تلك المشاهد, فلم نسمع صوته يطلب بمحاكمة نائب صديقه أهان رجال مصر أو محاكمة متطرفون نزعوا ملابس سيدة في الشارع أو محاكمة ضابط أساء أستخدام سلطته وعذب مواطن حتي الموت, ولأننا جميعًا نمتلك إنسانية مزيفة وأصنام مقدسة, فلماذا ندافع عن الحق في زمن اللامنطق؟!
التأييد لمحاكمة اليكترونية لمحمد منير وهشام الجخ وبلاك تيما, تعد المشهد الثاني من هذا المسلسل السئ, فنحن لا نستطيع الفصل بين الفن وشخصية الفنان, ولا نستطيع الفصل بين الأبداع وقناعات صاحبه السياسية, وإن كنا هتفنا للحرية, فنحن لا نؤمن بها لغيرنا, وقد تكون سبب الدعوات أو المحاكمات التي أقيمت بالفعل للثلاثة, إن من أقاموها صنعوا منهم أصنام مقدسة, وتعاملوا مع أشعارهم وأغانيهم كأنها سبيل ودليل لقناعاتهم أو مساعيهم, فإن كنا بهذا السوء, فلماذا لا أؤيد محاكمة الثلاثة معًا بتهمة قدسيتهم كصنم صنعه الكثيرين ولما أختلف معهم أصيبوا بأحباط وتناوبوا عليه بالسب واللعن. أنتم من صنعتم الأصنام وأنتم الأن تهدومها وأنا أؤيدكم بشدة رغم عبثية المشهد والسخرية منه.

الكوميدي بين تلك المشاهد, أشخاص يطالبون بتطبيق مبادئ الإنسانية ويهاجمون تيارات بيعنها تحارب تلك المبادئ وتحيد عنها, وفي نفس الوقت يظهرون أسوأ ما فيهم من زيف إنسانيتهم, ويطالبون بإقصاء شباب الثورة عن كل مشاهد الحياة, بل ويقيمون الأفراح والليالي الملاح عقب سجن أحدهم أو موت الآخر, فلماذا لا أؤيدهم في هذا إن كنا ندور في فلك الجهل والتطرف, وتحكمنا العنصرية التي بين الحين والآخر ندعي إنها إنسانية ولا نعلم إنها إنسانية مزيفة.
يعقب هذا المشهد, آخر يضم مجموعة من الأشخاص أو بالأحري شباب, يدافعون بأستماتة عن وجهة النظر التي تقول أن الأجيال الماضية (العواجيز), كانوا سببًا فيما وصلنا اليه الأن وأن حاضرنا التعيس هو مستقبلهم الفاشل, وبناءًا عليه يجب أن يبعدوا أو يقصوا أو يتم محاكمته علي ما نعيشه, وهذا بالتأكيد دليل علي إنسانيتنا العظيمة التي نتعامل بها حتي مع إعدائنا إن جاز وصفهم بهذا علي سبيل التطرف. فمع كل تضاد في الأفكار أو الأنتماءات السياسية, يظهر عمق إنسانيتنا المزيفة والأصنام المقدسة التي بناها كل طرف لنفسه وظل يعبدها دون وعي أو إدراك, فلماذا لا أؤيد بغض هذا الجيل من العواجيز كي أسير علي درب جيل الشباب أو العكس ؟ّ!

أعلم جيدًا أن ما كتبته غير مترابط أو متناسق وهذا عن قصد, فالعشوائية هي السبيل الوحيد لوصف العشوائية, والأعتراف بالحق ليس فضيحة بل فضيلة, وأنا لا أخجل أو أخشي شيئًا حين أصارحكم بحقيقتنا المرة, كلنا عنصريون لا أستثني أحدًا, نتميز بصناعة الأصنام والسجود لها, ونهوي الهتاف بشعارات ومبادئ عظيمة لا نطبقها علي أنفسنا. كلنا فاسدون غارقون في مستنقع الجهل وأزدواجية المعايير, نبغض الفن ونكره الأبداع, لا نحب القراءة ولا نحترم المختلفون ولا نسمع الا أنفسنا, كلنا موتي بلا أمل طالما إنسانيتنا مزيفة, تظهر فقط فيما يناسبنا وتختفي فيما لا نهواه, طالما لازالنا نشيد أصنام مقدسة تتحكم في حياتنا وتفكيرنا وحاضرنا ومستقبلنا, سنظل بائسين حتي نستطيع الفصل بين الفن وشخصية مقدمه وحتي نأتي بمثقفين وعلماء يتولوا أمرنا تحت قبة البرلمان, حتي نفعل ما نقول ونقول ما نفعل, بلا رياء أو إدعاء أو أزدواجية, وبلا أي إنسانية مزيفة أو أصنام مقدسة.

شاركـنـا !

تعليقات فيسبوك
أترك تعليق

فيسبوك
استطلاع

ماذا سيكون قرار البرلمان بشأن اتفاقية "تيران وصنافير"؟

View Results

Loading ... Loading ...
تابعنا علي تويتر
جميع الحقوق محفوظة لـ بوابة يناير © 2016