اخر الاخبار
الرئيسية / مقالات / أحمد براء يكتب: بلد بضاعته “الخوف”

أحمد براء يكتب: بلد بضاعته “الخوف”

 خرجتم إلى الشوارع في يناير، فماذا كسبتم؟.. حَرْقٌ وخرابٌ وتدمير، ملعونة هي ثورتكم، التزموا الصمت وتخلّوا عن حقوقكم، فمرفوضة هي أفكاركم، الأمان المرهون بالقمع أمامكم، والفوضى والخراب من خلفكم، اسمعوا لزعيمكم؛ عبد الناصر عصركم، طبيبكم وفيلسوفكم، وحَلَّال عُقَدِكُم، شدّوا الأحزمة على بطونكم، أربعُ إرباعٍ لتقسيم رغيفكم، بزخٌ تعيشون فيه خذوا العبرة من ثلاجة رئيسكم.. نعم للاستقرار والأمن مع الشمولية والسجن، وإلا لن تجدوا غير سوريا والعراق مصير أوحد في انتظاركم.

(1)

أَطَلَّ علينا “المخلوع” بعد أربعة أيام من اندلاع ثورة 25 يناير ليحذرنا من منزلقاتٍ خطرة تهدد النظام العام والسلام الاجتماعى، لا يعلم أحدٌ –على حد وصفه– مداها وتداعياتها على حاضر الوطن ومستقبله، وأن خيطًا رفيعًا يفصل بين “الحرية” و”الفوضى” التي من الممكن أن تنتشر في ربوع البلاد، بل وحَذَّرَ مما يحيط بنا من أمثلة عديدة انزلقت بمقتضاها الدول بالشعوب إلى الفوضى والانتكاس، فلا ديمقراطية حققت، ولا استقرارًا حفظت. ومنذ ذلك اليوم؛ تبنّت الثورة المضادة خطابًا تحريضيًا ضد ثورة 25 يناير، مستخدمة أبواقها المُنْبَطِحَة وأقلامها المسمومة، لمحاولة قَلْب الرأي العام على الحدث الذي يكاد يكون الأوحد الأسمى في تاريخ تلك الأمة، فمع تنفيذ الثورة المضادة أولى مخططاتها التى بدأت بفَتْح السجون وتهريب المجرمين، لم تشهد البلاد يومًا واحدًا من الاستقرار والأمن الذى ادّعوه مرارًا وتكرارًا، فلا حرية شهدناها، ولا عدالة اجتماعية فُعِّلَت، ولا أمن واستقرار تحققا!.

(2)

أَتَذَكَّر حديث “السيسي” الارتجالي في إحدى المناسبات التى ألقى فيها كلمته أمام رجال الجيش والشرطة عندما قال: “القرار السياسي بيتاخد في وقتٍ أنت عايز تحافظ فيه على ثبات الدولة المصرية، وعايز ماتعملش فيها انقسام، ومش عايز تعمل فيها تجاذبات بين المجتمع لأن همّا كفاية اللي شافوه في الخمس سنين اللي فاتوا.. فأنا بطبطب على كله.. انتوا لسه بتتكلموا في 25 و30 تاني؟ لسه تاني؟! انتوا بتدوروا على مشكلة ولا إيه؟!”. عقيدة راسخة لدى “السيسي” ونظامه، بأن 25 يناير تبحث دومًا عن المشاكل، وأن المجتمع المصرى عانى الويلات بسبب الثورة التى يراها السيسي سبب مرار المصريين وانقسامهم، وانحدار الدولة فى اتجاه التفكك الذى يقاتل الرجل لاستعادة ثباتها وتماسكها وبناء دولة المؤسسات التي طالما نادت بها أساسًا 25 يناير النقية، على عكس ما تحاول أذرع الثورة المضادة ترويجه بأنها ثورة خراب ودمار وتنفيذ لمخطط تقسيم منطقة الشرق الأوسط!. تحدث السيسي خلال كلمته بمناسبة الذكرى الخامسة للثورة هذا العام؛ عن محاولة الدولة تحقيق التوازن المنشود، بين الحقوق والحريات في إطارٍ واعٍ من الحرية المسؤولة، يحول دون تحوّلها إلى “فوضى هدّامة”! تُقَوِّضُ مقومات الدولة، وتقضي على مقدرات الشعب مثلما وَصَف السيسي.. فأينما يتحدثون عن الحرية؛ يربطونها مباشرةً بالفوضى، وكلما يتحدثون عن الثورة؛ يتهمونها بتهديد الشعب ومؤسسات الدولة، وعندما يتطرقون للحقوق؛ يتحدثون دومًا عن الواجبات.

(3)

الإعلامي إبراهيم عيسى، تحدث في إحدى حلقاته عن سياسة التخويف التي يتّبعها نظام عبد الفتاح السيسي، مقارنًا بين مصر و”الدول الحرة” التي قال عنها إنها ليست محكومة بـ”اللواءات”، وليس لديها أجهزة أمنية تختار نواب البرلمان والمذيعين أو تتحكم في الجامعات مصنع الشباب. وقال عيسى في معرض حديثه عن سياسة التخويف: “في البلاد البوليسية بتكون البضاعة اللي عندهم بضاعة الرعب؛ البلد هتنفلت، هنبقى زي سوريا والعراق.. مستثمرين مين اللي يجيوا بلد كل إعلامها وسياسييها الحكوميين ونوابها ووزرائها بيتكلموا عن المؤامرة المتربصة بمصر؟!.. العالَم ييجي ليه في بلد بيتقال لها ده في 6 ساعات الجيش هينزل يملى البلد؟!.. بلد بضاعتها الخوف، مش الحرية.. بضاعة مصر الخوف، بضاعة الحكومة والحُكْم المصري هو الخوف مش الحرية.. تصدير الخوف للمواطن.. فكلما زدت رعبًا وذعرًا؛ كلما تمسكت بطريقة الإدارة البوليسية للحياة، وكلما رضيت بإن حقوقك الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تنسحق مقابل الأمن؛ فلازم تعيش تحت ضغط الانفلات الأمني، ولازم يرعبوك بالأمن، علشان تخاف وتجبن، علشان ترضى بالمقسوم، علشان مرتبك اللي كان يجيب لك عشرة كيلو لحمة يجيب لك خمسة فترضى”. تصدير الخوف أصبح أولوية النظام المصري للقضاء على أحلام جيل يناير الذي حَمِلَ آمال ومسؤولية شعب بأكمله، استراتيجية تهدف لتلويث الفطرة الإنسانية من رَفْض القمع لقبوله، من مقاومة الجلّاد للاستسلام له خوفًا من تبعيات التحرر من براثنه، من محاسبة السجّان للتعاطف معه، يزرعون داخلنا الإحساس بالغُرْبَة في أوطاننا لنتمسك بأنظمتهم البوليسية وأذرعهم الأخطبوطية.. بضاعتكم فاسدة، ومروّجوها كاذبون، وبائعوها ملعونون، ولا يشتريها إلا المغيّبون.

(4)

كتبت في مقالٍ سابق أن المجتمع يتحول لـ”ضحية” دائمة المعاناة من القمع نتيجة تلك الممارسات، ويعتاد القبضة البوليسية، والحلول الأمنية الأحادية، ليدرك النظام أهمية ما يمارسه ويحاول ابتزاز المجتمع بكل ما له علاقة بالأمن والفوضى. ومع الوقت، يخشى المجتمع فكرة التغيير حتى وإن كانت للأفضل، ويظل يدافع عن النظام الشمولي الحاكم، ويُضخّم محاسنه القليلة، والتغاضي عن مظاهر الفساد، وكبائر السياسة، والانتهاكات، حتى وإن كانت وحشية تهدد حق المواطنين في الحياة للحفاظ على حياتهم!.. يتغاضى الفرد الآن بمحض إرادته عن القمع البيّن، والفساد المستشري المُعْلَن، واتساع دائرة الاشتباه التي لا يعترض حتى إن وقع ضحية لها، فكيف يعترض أو يقاوم الصِعَاب من يُهَدَّد يوميًا من الفوضى والعنف؟ كيف يعترض من يعجز عن رؤية المواقف وتحليل الأحداث إلا من منظور المقموع أو المُعْتَدى عليه؟ كيف يحاول النجاة من أدركته القناعة التامة بالعجز عن الهرب؟ وكيف يمكن التعامل مع من تُبْذَل الجهود لإنقاذه ويرفض أي محاولة لانتشاله بل ويعتبرها مصدر تهديد ويقاومها ويقدم المساعدة للنظام القمعي؟!. بضاعتكم فاسدة وستُرَد إليكم أو سنستبدلها بأطيب منها.. فدومًا ما نادت 25 يناير بدولة المؤسسات التي تسعون أنتم لهدمها ببث الرعب في نفوس المواطنين، الثورة تطالب بالحفاظِ على المؤسسات التي تحصرونها في الأشخاص لحماية نظامكم الهَش، شتانٌ بين الدولة والنظام، بين الحاكم والمؤسسة، 25 يناير أبعد ما تكون عن الفوضى والانفلات الأمني.. ومن أظلمُ ممن افترى على ثورتنا كذبًا.

شارك برأيك

شاهد أيضاً

مروة مغربي تكتب: هؤلاء هم معتقلو الفسحة

فى التاسع والعشرين من مايو الماضى، قررت نيابة حوادث جنوب القاهرة القبض على شابين وأربعة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.