بوابة يناير
بوابة يناير
أخر الأخبار
إبراهيم عيسى يكتب: سيدى المواطن.. الرئيس والوزراء والنواب موظفون لديك ولست أنت الذى تعمل عندهم
ابراهيم عيسي

الشعب هو القائد وهو الحاكم وهو الرئيس.

 أيها المواطن المصرى.. أنت الرئيس

كل هؤلاء موظفون لديك من الرئيس إلى رئيس الحكومة إلى اللواءات والجنرالات والوزراء والنواب، كله على كله، كلهم بكلهم وكليلهم شغالون عندك فلا تتعامل معهم كأنهم أصحاب المنة والمنحة لحضرتك.

انتبه معى لهذه القصة البديعة للعظيم يوسف إدريس «حمّال الكراسى»، اقرأ معى شيئًا منها لتعرف قصدى، يقول: (صدِّقوا أو لا تصدِّقوا، فمعذرة لا يهمنى أبدًا رأيكم، يكفى أننى رأيته وحادثته وقابلته وشاهدت الكرسى، كرسى هائل تراه فتظن أنه قادم من عالم آخر أو أقيم من أجل مهرجان.. ضخم كأنه مؤسسة، واسع القاعدة، ناعم، فَرشه من جلد النمر، ومسانده من الحرير، وحلمك كله إذا رأيته أن تجلس عليه مرة أو لحظة.. كرسى متحرك، يتقدم بتؤدة كأنه موكب المحمل حتى لَتظن أنه يتحرك من تلقاء نفسه، وتكاد من الرعب أو الذهول تخرّ أمامه وتعبده وتقدم له القرابين، ولكن فى آخر وقت ألمح بين الأرجل الأربع الغليظة المنتهية بحوافر مُذهبة تلمع، ساقًا خامسة ضامرة غريبة على الفخامة والضخامة، ولكن لا، لم تكن ساقًا، كانت إنسانًا نحيفًا معروقًا قد صنع العرق على جسده ترَعًا ومصارف وأنبت شعرًا وغابات وأحراشًا، صدِّقونى فأنا بالأمانة المقدسة لا أكذب ولا أبالغ، بل أنقل فى عجز ما رأيت، كيف استطاع نحيف هَشّ كهذا الرجل أن يحمل كرسيًّا كهذا لا يقل وزنه عن الطن أو ربما أطنان؟ ذلك هو المُذهِب للعقل وكأنه شغل حواة، ولكنك تتمعن وتعود تفحص فتجد أن ليس فى الأمر خديعة وأن الرجل حقيقة يحمل الكرسى وحده ويتحرك به).

ثم يكمل يوسف إدريس قصته: (كان الرجل بحمله قد أصبح على قيد خطوة منى وأصبحت أرى وجهه الطيب رغم كثرة ما فيه من تجاعيد، ومع هذا لا تستطيع أن تحدد له عمرًا، ورأيت ما هو أكثر، فقد كان عارى الجسد لا يغطيه إلا حزام وسط متين يتدلى منه ساتر أمامى وخلفى من قماش قلوع المراكب، ولكنك -لابد- تتوقف وتحس بعقلك، قد بدا كالغرفة الخالية يصنع صدى، إنه يبدو فى لباسه غريبًا ليس على القاهرة وإنما على العصر كله، تحس أنك رأيت له شبهًا فى كتب التاريخ أو الحفريات، وفوجئت هكذا بابتسامة فيها ذلّة السؤال، وبصوت وبكلام: الله يرحم والديك يا بنى.. شفتش عمك بتاح رع؟ وهجمت عليه: اسمع.. اوعى تقول إنك من المصريين القدماء، لهو فيه قدماء وجداد؟ أنا من المصريين وبس. وإيه الكرسى ده؟ شيلتى.. أمال أنا بدوّر على بتاح رع ليه؟ عشان زى ما أمرنى أشيله يؤمرنى إنى أنزله، أنا اتهد حيلى. إنت بقالك كتير شايله؟ كتير قوى ماتعدش من أيام ما سموا النيل نيل. وتماما توقفت كل قدرة أو رغبة فى الدهشة عندى، إن مَن يحمل كرسيًّا بهذه الضخامة والثقل للحظة، ممكن أن يحمله لآلاف السنين. لا دهشة ولا اعتراض، كل ما فى الأمر سؤال: وافرض مالقيتشى عمنا بتاح رع تفضل شايله؟ أعمل إيه؟ أنا شايله ودى أمانة، خدت الأمر إنى أشيلها أحطها إزاى من غير أمر؟! أنا شايل ودى أمانة وشايل الأمانة ومسؤول عنها. لغاية إمتى إن شاء الله؟ لما يجينى الأمر من بتاح رع، ولكننى صرخت وقد بدأ يتحرك أوقفه، فقد لاحظت شيئًا كالإعلان أو اللافتة مثبتة فى مقدمة الكرسى، بالضبط كانت قطعة من جلد غزال وكان عليها كتابة قديمة وكأنها النسخ الأولى للكتب المنزلة، وبصعوبة طالعت: «يا حمّال الكراسى.. لقد حملت ما فيه الكفاية.. وآن لك أن يحملك كرسى.. هذا الكرسى العظيم الذى لم يصنع مثله لك أنت وحدك.. احمله وخذه إلى بيتك وضعه فى الصدر وتربّع فوقه طول عمرك وحين تموت يكون لأبنائك»، وهذا هو أمر بتاح رع يا سيادة شيّال الكراسى، أمر صريح صادر فى اللحظة نفسها التى أمرك أن تحمل فيها الكرسى، وممهور بإمضائه وخرطوشه. بفرح عظيم قلت له كل هذا، فرح متفجّر كمَن كاد يختنق، كنت أتوقع فرحة مماثلة، انفراجة حتى، ولكن وجدت لا شىء. الأمر مكتوب فوق رأسك أهه ومن زمان مكتوب. بس أنا مابعرفش أقرأ. مانا قريته لك. أنا مابصدقش إلا بأمارة.. معاك أمارة؟ ولما لم أجب، غَمغَمَ غاضبًا وهو يستدير: أهو مابينوبنيش منكم غير العطلة.. يا ناس، والشيلة تقيلة والنهار الواحد يدوبك لفة. ووقفت أرقبه وقد بدأ الكرسى يتحرك، حركته المتئدة الوقور التى تظن أنها من تلقاء نفسه، والرجل قد أصبح مرة أخرى ساقه النحيلة الخامسة القادرة وحدها على تحريكه. وقفت أرقبه وهو يبتعد، لاهثًا يئن وعرقه يسيل. وقفت حائرًا أتساءل: أألحقه وأقتله لأنفس عن غيظى؟ أأندفع وأسقط الكرسى عن كتفه بالقوة وأريحه رغمًا عنه، أم أكتفى بالسخط المغيظ منه؟ أم أهدأ وأرثى لحاله؟ أم أصب اللوم على نفسى أنا لأننى لا أعرف الأمارة؟).

هذه خلاصة قصة يوسف إدريس حمّال الكراسى «مجموعة بيت من لحم» التى يحاول أن يشرح من خلالها للمواطن المصرى الذى يضع كرسى العرش فوق رأسه كى يجلس عليه فرعون آخر أو رئيس آخر أن هذا الكرسى كرسى حكم مصر لك أنت يا طيب يا أهبل، أنت الأولَى به، أنت يا صاحب البلد.
المصدر الأصلي: جريدة المقال

شاركـنـا !

تعليقات فيسبوك
أترك تعليق

فيسبوك
استطلاع

ماذا سيكون قرار البرلمان بشأن اتفاقية "تيران وصنافير"؟

View Results

Loading ... Loading ...
تابعنا علي تويتر
جميع الحقوق محفوظة لـ بوابة يناير © 2016