اخر الاخبار
الرئيسية / مساحة حرة / جمال الجمل يكتب: “دولة التلقيح” .. من وراء “بقالة حمدين” يا وزير الدفاع؟

جمال الجمل يكتب: “دولة التلقيح” .. من وراء “بقالة حمدين” يا وزير الدفاع؟

(1)
حصلت مصر السيسي على لقب جديد في “تصفيات السقوط المر”، فبعد “الخرابة”، و”دولة الأشلاء”، و”شبه الدولة”، صارت “دولة التلقيح”.

(2)
اللفظ لا علاقة له بمصطلح التلاقح الثقافي، ولا التلقيح الزراعي والبيولوجي، لأنه لفظ “بيئة” مستمد من قاموس “الردح”، و”كيد النسا” في حواري الجهل والفقر، والسقطة باختصار أن هناك من ضله شيطانه فأدخل سلاح الألش في الجيش، وهذا لا يليق بمؤسسة رصينة ذات تقاليد راسخة، والحكاية أن مصر شاركت مع روسيا في مناورات عسكرية في منطقة العلمين، وهي مناورات ذات دلالة سياسية مهمة، في ظل الأوضاع التي تعصف بالمنطقة، وكان اختيار الصحراء القريبة من ليبيا، ونوعية المناورات يتضمن رسائل شديدة الوضوح، للأطراف الدولية والإقليمية اللاعبة في المنطقة التي فرض علينا الغرب تسميتها بـ”الشرق الأوسط”.

(3)
قبل أيام قليلة انتشر فيديو للمناورات، ظهر فيه عدة مبان يتدرب الجنود على اقتحامها في إطار مكافحة الإرهاب، وظهرت لافتة كبيرة الحجم على أحد المباني وعليها اسم المرشح الرئاسي السابق “حمدين”، مسبوقاً بكلمة “بقالة”، وانتشر الفيديو على صفحات أنصار النظام، والصفحات المنسوبة لمؤسسات رسمية، و حسابات اللجان الالكترونية التي تخرب وعي الناس تحت وهم ما يسميه النظام “حروب الجيل الرابع”، وفي المقابل استنكر آخرون هذه الإيحاءات الرخيصة، وانتشر هاشتاج “بقالة حمدين” على محورين، محور الهجوم الصريح على المرشح الرئاسي في آخر انتخابات، ومحور إدانة السقطة باعتبارها لا تليق بالمؤسسة الرصينة، ولا تليق بجدية المناورات، والأخطر من ذلك أنها قد تكون باباً للزج بالجيش في خلافات سياسية، ولغة منفلتة بين مواقع التواصل.

(4)
في البداية، تصورت أن الفيديو ملفق، ومدسوس على المؤسسة التقليدية، لإثارة المزيد من البلبلة والتضليل بين المصريين، ولما كنت خارج القاهرة، ولا أملك وسائل فنية أو معلوماتية للتحقق من صحة الفيديو، فقد أرجأت الحديث في الضجة لحين العودة والتحقق، واكتفيت برسائل تحذيرية، مستبعدا أن تتورط مؤسسات رسمية في خطيئة “التلقيح” والتنابذ بالكراهية، والمساس بكرامة “مواطن”، خاصة وأنها لا تكف عن ترديد العبارة الشهيرة: “الوقوف على مسافة متساوية من الجميع”، وبمجرد عودتي بحثت عن أكثر المواقع التي أطلقت الفيديو، فكانت مواقع مشبوهة وغير موثوقة، واكتشفت أن موقع لافتة “بقالة حمدين” يتغير بتغير زاوية الكاميرا، وبحكم معرفتي ببرامج المونتاج، كنت أعرف أنه من السهل إضافة أو حذف أي عناصر أو كلمات للفيديو، وذهبت سريعا إلى نتيجة أتمناها (وهي أن الفيديو ملفق ومدسوس)، لكنني واصلت البحث على النسخة المنشورة بالروسية، فوجدتها على قناة مريبة في “يوتيوب” نشأت في شهر مايو الماضي فقط، ولم تبث أي فيديو منذ ثلاثة أشهر، واعتبرتها دليلا على “الفبركة” يتخذ غطاء روسيا، لأن الطرف المصري لم يبث من جانبه فيديو المناورات، فكان على من يدس أن يوحي بخروج الفيديو من الجانب الروسي، لكنني كنت مصمما على الوصول للمصدر الصلي للفيديو، ومطالعته على موقع رسمي، من غير وسيط ناقل، ولما وجدت الفيديو على قناة وزارة الدفاع الروسية على “يوتيوب”، اهتزت أمنية التلفيق، وبحكم الأمل أوهمت نفسي أن القناة نفسها خدعة، فدخلت الموقع الرسمي للوزارة الروسية، فوجدت فيديو المناورات، ولما حاولت فتحه كان بطيئا جداً لأنه بتقنية عالية تستخدم الفلاش وليس الفيديو، وفتحت القناة المخصصة على يوتيوب من داخل الموقع الرسمي، فوجدت الفيديو وبها لافتة “بقالة حمدين”، وفتحت الصفحة الرسمية للوزارة على فيس بوك، فوجدت الفيديو وبه اللافتة، وأخيرا حصلت على أصل الفيديو من موقع الوزارة الروسية، واكتشفت أن هناك لافتات أخرى على المباني لم يظهرها الفيديو المنتشر، لأن اللافتات بمثابة تعريف للمباني لمساعدة الجنود في اقتحام أوكار الإرهابيين، فهذا “مسكن”، وهذه “مستشفى” وهذا سنترال، أو مباني تحمل أرقاما بنفس الخط الكبير، لكن لافتة “بقالة حمدين” ظلت وحدها محل السؤال والاستفهام والاستنكار.. لماذا اسم حمدين بهذا الشكل وهذا التركيز في التصوير، ولم تكتف اللافتة بكلمة “بقالة” وفقط، كما في باقي التعريفات؟!

(5)
منذ بداية الضجة رأى بعض الأصدقاء أن الموضوع تافه، وفرعي، ولا يستحق الاهتمام، سواء كان الفيديو صحيحا أم لا؟، وقبل أن أناقش هذا الرأي سأحكي لكم كيف سقطت مملكة ريتشارد الثالث بسبب عدم دق مسمار صغير.

(6)
كان الملك ريتشارد الثالث يستعد للحرب الفاصلة مع خصومه، فأمر بتجهيز حصانه للمعركة، ولما ذهب أحد فرسان الملك إلى حداد الأسطبل الملكي، شكى الحداد من ضعف الموارد، وقلة الحديد الذي استهلكته سياسات الملك في الحروب والتحصينات المبالغ فيها (وربما أيضا في مشاريع الجلالة والعاصمة الإدارية ومنافسات عز وأبو هشيمة) ونقص المسامير، وأمام ضغط الفارس، نجح الحداد في توفير حدوات الحصان، والمسامير اللازمة لها، إلا مسمار واحد كان ناقصا في الحدوة الأخيرة، ولما كان الفارس متعجلا للعودة بالحصان إلى الملك، فقد قال له الحداد: أليس لديك بعد الوقت لصهر الحديد وصناعة المسمار الناقص في الحدوة الرابعة، سأله الفارس: وماهي أهمية هذا المسمار الصغير؟، أليست كل هذه المسامير كافية ومأمونة؟، قال له الحداد: نعم كافية، لن تسقط الحدوة الرابعة إلا بمصادفات يصعب حدوثها، كأن ترتطم هذه القدم بالذات بصخرة، وأن تكون الصدمة من الناحية التي لم يتم تثبيت المسمار، لذلك جعلته في الجهة الخلفية، لصعوبة حدوث ذلك، فقال الفارس: الوقت أهم، لأن الجيش على وشك التحرك، والملك لن ينتظرك، فهو يحسب قيمة الوقت في المعركة.

وأثناء المعركة الحامية، انفلتت الحدوة من قدم الحصان، فشعر بالألم وأسقط الملك من فوقه ظهره وفر بعيدا عن الميدان، وقام ريتشارد من سقطته، فحمل سيفه واستمر يقاتل واقفاً، ويدفع الأعداء، ويصيح: حصان حصان..، وكان المنظر الملك على الأرض بغير حصان كافيا لكسر معنويات جنده وهم الأكثرية، ورفع معنويات قوات ريتشموند الأقل عددا وحنكة حربية، فبدأوا يتحلقون على ريتشارد ويحملون عليه بالهجوم وهو يصيح: حصان حصان.. مملكتي مقابل حصان.
لكنهم تمكنوا منه وقتلوه، وتغير مستقبل انجلترا كلها، وانتهت حرب الوردتين لصالح ريتشموند، لمجرد التهاون في تثبيت مسمار صغير.

(7)
لن ألقي المواعظ عن غياب الاحترافية، وعن تأثير الانفلات النفسي، والنكايات الشخصية في مؤسسة هي ملك للوطن، وليست لعبة في يد حزب أو رئيس أو فئة تحب وتكره بالمزاج، حمدين صباحي ليس مسؤولا لنحاسبه، حمدين مواطن يستحق الاحترام من الدولة ومن المواطنين الآخرين وفق الدستور والأخلاق، كما أنه ليس عدوا، لتتدرب عليه قوات مكافحة الإرهاب، وأظن أن استخدام اسم أي مواطن، أو أي مبنى ذي رمز ديني أو سياسي في مناروات عسكرية، هو بمثابة تحريض على الكراهية والقتل، وفي رأي أن المسؤول ليس الروس وليس الجنود المشاركين، وربما ليست قيادات المؤسسة، لكنه مسمار صغير، لم يهتم به القادة، ربما ضابط صغير أمر الخطاط بكتابة الاسم على سبيل المزاح، وعدم إدراك العواقب، بالخروج من فكرة التعميم إلى التخصيص، فأدى إلى هذا الموقف، حتى لو لم يكن يقصده.

(8)
أعرف أن هناك تبريرات، من نوع أن اللافتة غير مقصودة بشخص، وان الاسم ليس حكرا على المرشح السياسي، وأن..، وأن…، لكنني قرأت تعليقا لصحفي روسي يشير فيه إلى أن الاسم غير ذائع في مصر، وأنه يوحي مباشرة باسم منافس سابق للسيسي في انتخابات الرئاسة، وقال: إن هذا الاستخدام بهذه الطريقة لاشك أن له مغزى. لقد نشرت وزارة الدفاع الروسية الفيديو، وقرأت تعليق الصحفي الروسي، لكنني لم اسمع ولم أقرا شيئا من المسؤولين المصريين، ولم تصلني أي تفسيرات أو تبريرات، ولو كاذبة، لكي نناقشها، وهذا أمر يعبر عن قلق من طريقة تفكير بعض القيادات التي قد تتسبب برعونتها في مخاطر وكوارث، يمكن تلافيها لو حاكمنا مثل هؤلاء المنحرفين الذي يهددون بتخريب كل شيء.

(9)
في رأيي أن جريمة الرعونة و”الاستهبال” وتغييب القواعد الاحترافية والحقوق الدستورية للمواطنين، لا يجب أن تمر، فالذي فعل ذلك لا يجروء على خلع البيريه في المناورة، ولا يقدر على عدم تأدية التحية لقائده، فهل يجوز له أن يجعل من المواطن أي مواطن “تبة” يدرب عليها قواته في ضرب النار.
ولننتظر ما يقدمه العقلاء من اعتذارات أو توضيحات أو تبريرات، لكننا لن نسكت، دفاعا عن مكانة جيشنا، وعن كرامة أهلنا.

(توضيح)
هذا المقال ليس تنفيثا للغضب بكلمات، لكنه بمثابة بلاغ، وعرض للمشكلة أرفعه إلى الرئيس ليس بصفته السياسية، ولكن بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولوزير الدفاع بصفته السياسية والعسكرية معا، ولرئيس الأركان بصفته العسكرية ومسؤوليته عن الانضباط الميداني داخل الوحدات، ولقائد المناورات، ولكل مصري يحلم بأن يرى أكبر رأس في هذه الدولة يقف في كمين مرور ويدفع غرامة القيادة بسرعة، أو غرامة إلقاء زبالة في الشارع، أو غرامة تعطيل المرور إلى المستقبل.
المصدر الأصلي

شارك برأيك

شاهد أيضاً

نيفين مسعد تكتب: من الكابتن غزالي إلى مروان البرغوثي

قد يبدو عنوان المقال غريبا بعض الشىء بالنسبة للقارئ فما الذى يجمع بين الكابتن محمد …

شارك برأيك