اخر الاخبار
الرئيسية / مقالات / سيد طنطاوي يكتب: إياكم والقافزين من المركب

سيد طنطاوي يكتب: إياكم والقافزين من المركب

يُروى في الأثر ومضارب الأمثال أن رجلًا تعايش مع أفعى في غابة واحدة، واتفقا على أن يمنح كل منهما الآخر الأمان، إلى أن تحدث الرجل مع نفسه بعد فترة قائلًا “وما الضامن على أنها لن تهاجمني في يوم من الأيام”، فعزم على قتلها فأخذ فأسه وحاول أن يباغتها بضربة على رأسها، لكنها تنحت جانبًا ولم تصبها وهربت.

وحينما التقاها الرجل مرة أخرى في الغابة عرض عليها أن يعودا للحياة معًا بأمان فرفضت قائلة “كيف أعاودك وهذا أثر فأسك”.

ما يؤخذ على شباب يناير أنهم دائمًا ينسون أثر الفأس التي ضُربوا بها على رؤوسهم، فيقعون في شباك مدعين أو متلونين، يغيرون انتماءاتهم كما تغير الأفعى جلدها.

مواقف هؤلاء المتلونين موجودة ومأخوذة عليهم إلا أنهم يجيدون اللعب على وتر آفة بلدنا النسيان ويرتكنون إلى ما يُعرف عن الشعب بأن ذاكرته سمكية، لا تحتفظ بالمواقف، والأفضل للثوار حاليًا الاستعانة بالذاكرة الالكترونية والتي يجيدونها في مواقع التواصل الاجتماعي، والتي لهم فيها باعًا وخبرة، قادتهم إلى تحريك الثورة قبل أعوام، ولما لا وتلك الذاكرة فضحت أشخاصًا من قبل، يأتي على رأسهم “الخياط” محافظ الأقصر الأسبق، المُعين في عهد المعزول والذي كان متهمًا في حادث الأقصر الإرهابي وعضوًا في الجماعة الإسلامية وكذلك محافظ القاهرة الحالي، فكلاهما أوصلت الذاكرة الالكترونية مواقفهما للعامة ومن ثمّ كان الاعتراض على تعيينهما.

الآن الذاكرة الالكترونية وسيلة الأمان الأقوى ضد مواقف المتقلبين وحائط الصد الأقوى ضد سياسات القفز من المركب  التي انتهجها إعلاميون وسياسيون خلال الفترة الأخيرة.

الإعلاميون المتحولون أو القافزون من المركب ضمائرهم لا تقنّع إلا بنفاق السلطة، أيً كانت توجهاتها، ولا تتغير آرائهم سوى بتغير رأس السلطة فعند الرئيس الاشتراكي، اشتراكيون أبًا عن جد، وعند الرئيس اليساري قد يبالغون ليصفوا أنفسهم بــ “الشمال”، وإن أصبح الحُكم ملكيًا فبالتأكيد سيكونون ملكيين أكثر من الملك.

الحكم على الحوادث عندهم تختلف حدته ونعومته طبقًا لموقفهم من رأس السلطة، فالحادث الفاجعة يمكن أن يكون قضاء وقدر، وحدث هين لو كانوا رجال رأس السلطة، ويمكن أيضًا أن يكون كارثة لم تحدث من قبل، إذا لم يكن الحاكم على هواهم.

سهل جدًا أن يكون الجاني عندهم، مجني عليه، الصورة لديهم لا تختلف كثيرًا، الظالم قد يكون مظلوم والعكس أيضًا وارد، الأمر كله حسب “ما يكتب أحمد”.

أول الإعلاميين الذين عرفوا سياسة الانقلاب والقفز من المركب كان عمرو أديب ففي بداية الثورة هاجمها وبعد سقوط مبارك استل سيف المعارض المقهور وتباكى وسار يسب ويلعن في مبارك وكأنه لم يمدحه بالأمس القريب، ونفس السياسة اتبعها مع مرسي إلا أنه للحقيقة قفز من مركب مرسي مبكرًا بعد أن وصفه بالكافر فور أول حادثة مرتكزًا على خبرة سابقة في معرفة أي كفة ستربح.

 مصطفى بكري بدا للبعض ثوريًا باعتباره قاد مظاهرة ضمن مظاهرات يناير 77، مراسلًا لإذاعة مونت كارلو، متعاطفًا خلال تلك الفترة مع المسجونين، مؤيدًا لمبارك، محسوبًا على الثورة، ثم منقلبًا عليها، إلى أن سار بكري الذي نراه الآن.

ربما لو أدرك الثوار خطورة القافزين من المراكب وفهموا سياستهم لتجنبوا كثير من الويلات التي تعرضوا لها، وانتبهوا لـ “سيد على”، أول من قدم مداخلات عن مؤامرات وتدريبات وخيانة للثوار ثم عاد وامتدح الثورة، إلى أن قفز من مركبها ووصف نفسه بابن المشروع الإسلامي وبعدها تحول إلى معارضًا للإخوان، كارهًا لهم، والآن يتبع سياسة “بين – بين”.

خطورة الوجوه المصطنعة لم يعي أرباب يناير خطورتها بدليل سقوطهم في فخ تامر أمين صاحب الوجه الكيوت الذي طل طلة بهية عبر برنامج “البيت بيت الحكومة”، ملمعًا لها وضابطًا لإيقاعها الإعلامي ثم فجأة قدم آراء سياسية جعلته التراس سياسي لمن لا التراس له، والآن تعلق بالنظام الحالي، يؤيده ويدرك تمام الإدراك أنه لم يتبق له سواه.

إدراك خطورة أحفاد النظام أهم من إدراك خطورة الأبناء، بدليل أن كثير من الشباب لم يعرفوا خالد صلاح رئيس تحرير “اليوم السابع” إلا بعد الثورة، باعتبار أنه لم يكن أحدً يأخذ دورًا في عربة التأييد إلا رجال الصف الأول.

 يتميز خالد صلاح أنه لا يخاطر بمحاولة القفز من أي مركب إلا بعد أن يعلم علم اليقين أنه لم يعد هناك أي فرصة من فرص النجاة باقية، وأن البقاء يعني الهلاك، فلم يتخذ موقفًا من مبارك إلا بعد السقوط، ثم تحول فجأة إلى رجلًا إسلاميًا وهي السياسة التي يجيدها باعتباره عضو سابق – حتي الآن – في تنظيم السلفية الجهادية، لذلك كانت صدمة إسقاط الإخوان هاجسًا يُرعبه، وكان يعتبرها أضغاث أحلام يتمنى ألا تتحقق، وهو ما عبر عنه في مقال “وهم اسمه إسقاط النظام الإسلامي”، ووقت إبلاغ “أحمد” له بأن الكابوس سيتحقق خلال أيام فما كان منه إلا أن تحول من النقيض إلى النقيض، مقدمًا أسباب بالتأكيد لن تُجدي في المرة القادمة، والآن يقدم نفسه بصفته التراس للنظام يدافع عنه قبل أن يُتهم النظام أصلًا.

المؤكد أن هؤلاء ليسوا الوحيدين الذين يتبعون سياسة التوبة المؤقتة أو القفز من المركب، لكن هم على سبيل المثال لا الحصر، ورغم تفوقهم إلا أنهم لم يبلغوا ما بلغه عبد الله السِناوي، الذي يعتبر الوحيد الذي يقدم مبررات وتمهيدات ترتدي ثوب الإقناع للقفز من المركب، يقدم تحليلات لما سيحدث مستقبلًا، ليقول أنه إن كان مؤيدًا في وقت من الأوقات فإنه توقع ما حدث عبر مبررات تُوصف ظاهريًا بالوطنية، ويرتكز على قول “ألم أقل لكم أن ذلك سيحدث”.

المنقلبون والمتحولون وأصحاب سياسة القفز من المركب أخطر على الثورة من أعدائها.

الآن بعد تقلبات ومراحل عديدة مرت بها “يناير”، هل يمكن قبول توبة هؤلاء سواء أكانت توبة نصوحه أو زائفة؟ أو هل يمكن قبول أي تبرير معتاد كسياسة “السناوي”؟

الحق يقول، ألا يُقبل هؤلاء مرة أخرى، ووقت أن تفرض الثورة واقعها ويأتي هؤلاء منكسو الرأس، خاضعين، يجب أن تُرفض توبتهم ويُستعان حينها بالذاكرة الالكترونية التي تحمل ما قالوا، ليبدو الموقف حينها أن الشمس قد أشرقت من مغربها وأن وقت التوبة قد ولى.

أما وإن لدغنا منهم للمرة الثانية فالعيب فينا والعاقبة علينا.

وسط هذا هناك من لم يتفق مع الثورة وعارضها منذ مهدها إلا أنه مهما تغيرت المواقف صعودًا هبوطًا لم يغير موقفه، من هؤلاء عبد الله كمال ومحمد علي إبراهيم، اختلف معهم، لكن بمنطق الرجال يجب أن تحترمهم.

شارك برأيك

شاهد أيضاً

حسام مؤنس يكتب: الموضوع منتهاش .. والكلام مخلصش

الموضوع منتهاش .. والكلام مخلصش : تيران وصنافير كانت ولا تزال وستبقى مصرية لا نعرف …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.