اخر الاخبار
الرئيسية / مساحة حرة / عبدالحليم قنديل يكتب: السيسي ضد السيسي

عبدالحليم قنديل يكتب: السيسي ضد السيسي

أخشى أن الرئيس السيسي يظلم نفسه، ويظلمنا معه، وتدفع حكومته البلد إلى أزمة خطيرة، وإلى انفجار اجتماعي يعلم الله وحده مداه المدمر.

وليست هذه هي المرة الأولى التي نحذر فيها، فقد فعلنا قبل الأوان بزمان، لكن أحدا لا يسمع، ولا يريد أن يتوقف ويتبين، ولا أن يتجنب مزالق الخطى المتعثرة، بل عدنا من جديد إلى «الفولكلور» البائس، والمتوارث من نظام إلى نظام، ومن حكم إلى حكم، والذي يحدثك عن تفضيل النقد البناء على النقد الهدام، ثم لا يعتبر «النقد البناء» سوى أن تطبل وتزمر وتقبل يد الحكام، مع أن النقد هو النقد، والمعارضة هي المعارضة، وليس من النقد ولا المعارضة، إطلاق سهام طائشة، ولا الكلام «المكايد» بغير علم، ولا الاستناد لغير الحقائق الصلبة، فهذا كله «كلام مصاطب» أو «كلام فيسبوك»، أو «فش غل» قد لا يقدم ولا يؤخر، ولا يندرج في معنى النقد الذي يظل ساطعا، ويمتاز بكونه «هداما» لأبنية الزيف والركاكة السارية، وبناء من طرف آخر، يبني وعيا مستقلا عن زمرة الطبالين وزمرة الملتاثين، وفي مصر الآن ألف سبب وسبب جاهز للنقد والغضب، ودون احتياج لإضافة رتوش ولا افتعال لمساحيق، ولا تصور أنه يمكن المصادرة على النقد والرأي الآخر، وربما حتى على الانتقال من معنى «النقد» إلى معنى «النقض».

مهما أراد المصادرون للصحف والمقالات ومداخلات التلفزيون، ومهما زادت سبل الحجب والمنع، فقد فات الزمن الذي كانت تؤثر فيه المصادرات، وصارت الوسائل العقيمة من قوانين «أهل الكهف» المنقطعة عن جريان الزمن، وحطمت الثورة الهائلة في وسائط الاتصال كل قيد يمكن أن يفرض، وصار الرأي العام وحده هو الحكم، وهو الذي يميز الطيب عن الخبيث، ويفرق بوضوح رائق، بين النقد حتى لو وصل إلى مقام «النقض»، وبين «التشكيك» الذي تخوف منه الرئيس، ونعى عليه في خطابه الأخير، وإلى حد بدا معه أن الرئيس يخلط معنى النقد بمعنى التشكيك، ويضيق صدره حرجا بكل نقد يثار، حتى لو كان مستندا على حقائق مرئية لكل الناس، ولا سبيل للتشكيك فيها، إلا لو كان يريد ضرب الحقائق بالحقائق، خذ عندك ـ مثلا ـ كلام الرئيس عن الطاقة الكهربائية، فقد نوه الرئيس بالنجاح في توفير إمدادات الطاقة، وهذا كلام صحيح وفي محله، لكنه اعتبر كلام الناس عن غلاء فواتير الكهرباء تشكيكا، برغم أنها حقيقة ساخنة، لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، بل زادت الفواتير غلاء على غلاء بقرارات صدرت عقب خطاب الرئيس نفسه، وبقرارات مضافة يخططون لصدورها كل عام مقبل حتى نهاية العقد الجاري. ولم ينكر الرئيس نفسه هذه الحقيقة، والتي اعتبرها ـ للمفارقة ـ تشكيكا، وهذا تناقض مثير للأسى، وكأن الرئيس يريد للناس أن يذكروا فقط نصف الحقيقة، وأن يقولوا ـ فقط ـ أن الكهرباء توافرت، ثم أن يغلقوا أفواههم بعدها، ويضعوا النقطة في وسط السطر، ويحمدوا الله على إنجاز الرئيس، ولا يكملوا السطر عن أثر الإنجاز على حياتهم اليومية، ولا يضيفوا كلمة عن الفواتير التي صارت «نارا» بتعبير الرئيس نفسه، وكأن أحدا غير الرئيس هو الذي أشعل بقراراته حرائق الغلاء، بينما يعرف أبسط الناس أن الرئيس هو المسؤول في البدء والمنتهى، وأن الحكومة تعمل ـ كما تقول ـ بتوجيهات السيد الرئيس (!).

ليس في القصة ـ إذن ـ تشكيك ولا يحزنون، فالحقيقة هي الحقيقة، وذكر نصف الحقيقة دون نصفها الآخر ظلم وتعتيم والتواء، فليس من شك في أن الرئيس له إنجازات لا تنكر، لكن سياسة الرئيس نفسه تنطوي على إخفاقات مرعبة، وكأن سياسة الرئيس تعمل للأسف ضد إنجازاته، في الأمن والسياسة، وفي الاقتصاد بالذات، حيث تظهر الإخفاقات، وتكاد الإنجازات تتوارى، فحياة الناس تلتهب، وجيوبهم تفرغ مع موجات الغلاء الكافر المتلاحقة، وبطولة البقاء على قيد الحياة، تكاد تتحول إلى عمل مستحيل عند غالبية المصريين من الفقراء والطبقات الوسطى، فلا يكادون يفيقون من ضربة على الرأس، حتى تلاحقهم الأخرى، ففواتير المياه والكهرباء تتزايد أرقامها بانتظام وتصاعد مخيف، وكلما تكيفوا مع زيادة لحقتهم أختها، وقد تحملوا عبء خفض شريحة من دعم المواد البترولية أول أيام السيسي في الحكم، لكن المزيد من « الصعبةالقرارات» تنتظرهم على يد الرئيس نفسه، وفي صورة صدمات متوالية، ترفع أسعار تذاكر المترو والقطارات ووسائل النقل العامة، إضافة لموجات الغلاء المتلاحقة بجنون الدولار وضرائب القيمة المضافة، وقد يعاجلهم الرئيس بما تلكأ فيه، وتخوف منه على مدى سنتين، وهو الشروع في تنفيذ برنامج إلغاء دعم المواد البترولية بالكامل، وسكب نار البنزين على حياتهم التي صارت جحيما، والتعجيل بلحظة انفجار اجتماعي لا يبقي ولا يذر، وهي تحذيرات لا يلتفت إليها الرئيس في العادة، فقد أقنع نفسه، أو أقنعه مستشاروه، بخرافة مشهورة، هي أن شعبية الرئيس تكفي لتحمل الصدمات، وأنها بوليصة تأمين سياسي، وأنه وحده القادر على إشعال حرائق الغلاء، ثم ضمان أنه لن يتحرك أحد، ولن يتحول غضب الناس المكتوم إلى غضب ناطق، وهذه أخطاء فادحة في الحساب السياسي، ربما لأن منطق السياسة مستبعد أصلا عند صناع القرار، فليس صحيحا بالمرة، أن شعبية الرئيس صامدة في نفوس الناس.

وقد كانت للسيسي شعبية هائلة، أتيحت له في ظروف محددة، لكنها ـ أي الشعبية ـ تآكلت بشدة، وتحول المصريون العاديون إلى عادة «اللعان»من جديد، وتحميل السيسي وزر كل المصائب التي تلحق بهم، فهم لا يرون إنجازات الرئيس البعيدة ـ بطبعها ـ عن العين والقلب، والتي ينتمي أغلبها إلى معنى إضافة أصول أو بنى أساسية، ليس متوقعا أن تؤتي ثمارا قريبة، برغم الإنفاق الهائل عليها، والذي قد يكون وصل إلى تريليون ونصف التريليون جنيه بحسب تقديرات الرئيس نفسه، أي ما يقارب موازنة الحكومة كلها في عامين، وقد جرى تدبير غالبها من خارج الموازنة الحكومية المنهكة، وإن كانت ـ بالطبع ـ من أموال المصريين، أو من القروض التي يتحمل المصريون وحدهم سداد ديونها، وربما إلى أمد بعيد، يتخطى بالطبع زمن رئاسة السيسي وحكوماته، وقد يكون بعض الانفاق الهائل في محله تماما، وكما جرى ويجري في تعظيم قوة الجيش ومشاريع تنمية قناة السويس وتوفير إمدادات الطاقة و»الضبعة النووية» وغيرها، وإن كان الخلاف على أولوية مشروعات أخرى من لزوم ما يلزم، فقد كان يمكن توفير نصف الإنفاق الهائل، أي ما يزيد على 700 مليار جنيه، كان يمكن إنفاقها في سبيل آخر، يقفز مباشرة إلى خلق اقتصاد إنتاجي باستثمارات عامة، وانقاذ قلاع الصناعة الكبرى التي جرى تخريبها بالكامل، لكن الرئيس لم يفعل، وظل في انتظار استثمارات أجنبية، لا تأتي كما تصور، ولأسباب تتعلق بالركود التجاري والاقتصادي العالمي، وظل يواصل إنفاق مئات المليارات في بنى أساسية بعيدة عن هموم الناس المباشرة، ثم يزيد الناس هما على هم، ويواصل الانحياز بسياسته لمليارديرات النهب، وحمايتهم من أعباء ضريبة تصاعدية سارية في الدنيا كلها، ووضع همه كله في قرارات التجبر على الفقراء والطبقات الوسطى، وهم أغلبية المصريين بنسبة تصل إلى التسعين في المئة، يحملهم وحدهم ـ دون الأغنياء ـ عبء ومضاعفات العجز في الموازنة الحكومية المعلنة، وإشعال أسعار السلع والخدمات، وبصورة جنونية تتجاوز طاقة الناس على الاحتمال، وبدعوى بيع الخدمات العامة بسعر التكلفة، وبيع المياه والكهرباء والنقل والبنزين وغيره بالسعر العالمي، متصورا أن تلك هي العدالة وأصولها، ناسيا ومتجاهلا لحقيقة كبرى، هي أنه حتى الفرقة الناجية من المصريين، التي تحصل على فرص عمل وتتلقى أجورا، يصل دخلها بالكاد إلى عشر متوسط الأجر العالمي، أي أن الإنسان المصري العامل يبيع جهده بعشر التكلفة العالمية، بينما يريد له الرئيس أن يتحمل تكلفة الأسعار كاملة، وبالمعدل العالمي، أي يريد له مصير السحق تحت عجلات الأسعار العالمية، وهو تناقض فادح فاقع، لا يلتفت له السيسي أبدا، أو يعتبر ذكره نوعا من التشكيك في إنجازات سيادته.

شارك برأيك

شاهد أيضاً

عبد الله السناوي يكتب: أزمة كاشفة على النيل

المصدر: الشروق آخر ما تحتاجه مصر أن تغيب قواعد القانون والعدالة وأية حساسية سياسية فى …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.