اخر الاخبار
الرئيسية / مقالات / سيد طنطاوي يكتب: أهل”الـ 18 يوم” صحيح مساكين

سيد طنطاوي يكتب: أهل”الـ 18 يوم” صحيح مساكين

أعظم حدث في الألفية الجديدة بلا شك ثورة يناير، ليس لأنها الصرخة الكاشفة لبرقع نظام مبارك فحسب، بل لأنها القول الحق بأن الفكري الثوري لم يمت، وأن الشجاعة الحقيقية في العقول لا القلوب.

الثورة فعل عنيف، باعتبارها خروج واندفاع لتغيير وضع راهن إلى وضع أفضل، والثوار كانوا فوارس نبلاء، يناضلون بإنسانية، يسقطون نظامًا، ويحافظون على كيان الدولة، يختلفون مع غيرهم، لكنهم يحترمونهم.

 تتميز ثورة يناير بأنها أخرجت جيل هو الأنقى، والأعمق، والأكثر خُلقًا، وقدرة على الإبداع،  يمكن تسميتهم بـ “أهل الـ18  يوم”، وهؤلاء هم من تواجدوا بالميدان منذ البداية وحتى التنحي، عاشوا اللحظات الصادقة، تلحفوا بها، وسرت في عروقهم معانيها.

من جلال ما حدث في الـ 18يومًا – بصدقهم وصوفيتهم –  أن أصبح لدينا تقويمًا جديدًا، فاختلف التأريخ من تلك اللحظة الأكثر صدقًا في السبعة آلاف سنة، وانقسم التقويم إلى مرحلتين ما قبل الثورة وما بعدها.

ما كان مقبولًا قبل الثورة لم يعد مقبولًا بعدها، ولما لا وقد أصبح للأمة ضميرًا اسمه 25  يناير، لم يعد جلال الأسماء يصلح معه، لا يعرف غير الحق، يصرخ في وجه الظالمين، وينطق بالصدق يوم يصمت المُطبعين، ويجهر بالرأي في كل وقتٍ وحين. 

شرب “أهل الـ 18 يوم”، شربة إنسانية هنيئة لم ولن يظمئوا منها، تنفسوا هواءً ثوريًا نقيًا، شفاهم من 30 عامًا بالية أفسدت أجيالًا متعاقبة، ومن لم يشرب أو يتنفس معهم مما تنفسوا لا زال لديه عقدة السقوط في الماضي السحيق بأزماته ولعناته، وأضحى أسيرًا لانعدام الإنسانية.

هناك آخرون ربما شاركوا في الـ 18 يومًا، لكنهم كانوا أسرى، إما لفاشية دينية أو عسكرية، ومن ثمّ، التأثر بتلك الفاشية وبمعتقداتها في لعن وسفك الدماء والتحول إلى كائنات “زومبي” أو مصاصي دماء يتغذى كلًا منهما على دماء الاخر، يشمت هذا في سقوط ذلك قتيلًا ويفرح كما لو كان القتل فضيلة.

 يتصارعون ويتباهون بأن فريقهم أسقط عددًا أكبر من الضحايا، لا يتورعون من الدماء، بل تزكي رائحتها أنوفهم، وربما في حالات كثيرة يتعاطونها كما لو كانت سمومًا مخدرة.

 أهل “الـ 18 يوم” يكرهون الدماء، يبكون الجميع، يشيعون كل الضحايا، يكتبون فيهم الرثاء، ويهجون القاتل، وينغصون عليه حياته، يلاحقونه بالحق أينما كان، يتوعدون بالقصاص، واثقون منه، كثقة أن شجرتهم النقية ستطول إلى الأبد.

يتميزون بالقدرة والشجاعة على الاعتذار، لا يعتبرون أن التراجع عن رأي لم يحالفهم فيه الصواب، أزمة، ليس لهم مرشدًا ولا قائدًا إلا ضمائرهم وإنسانيتهم، يهتدون بهما، ويطمئنون لهما.

تحرر أهل “الـ 18 يوم”، من الأسر، بالتمسك بإنسانيتهم، وإدانة كل الدماء أينما وكيفما وجدت، لم يهللوا يومًا لموت أحد.

لعنة الشماتة في الدماء أصابت كثيرين، لم ينجوا منها إلا أهل “الـ 18 يوم”، فاستطاعوا البقاء على قيد الإنسانية، ولما لا وقد اعتبر هؤلاء أن مولدهم يوم الثورة، حتى لو كانوا وقتها بالغين من الكبر عِتيّا.

يُقَسّم هؤلاء أعمارهم إلى جزئين، الأول هو العُمر الطبيعي ما بين تاريخ مولده حتى اللحظة التي يقيس فيها السن، وهناك عُمر آخر، معروف مدته بـ 18 يومًا، وهذا هو الذي يعيشون من أجله، متمسكين بمبادئه، رافعين شعاراته، مصممين على إنفاذه، يحلمون بخيره، ويدفعون شره.    

أما من وقعوا في أسر الفاشية بنوعيها فقد أصيبوا بمرض “اليوجينيا”، وهي حسب التفسير الذي قدمه الدكتور أحمد مستجير، علم تحسين الإنسان عن طريق منح السلالات الأكثر صلاحية، فرصة أفضل للتكاثر، مقارنة بالسلالات الأقل صلاحية”.

 أسرى الفاشية، اعتبروا أنفسهم فقط مكتملي الصلاحية دون غيرهم، وأنهم الوحيدون الذين يحق لهم التكاثر والإنجاب على اعتبار أنهم أفضل من غيرهم وأنهم  الوحيدون الأولى بالبقاء. 

الفاشيون الدينيون، رفضوا ما دونهم من الفصائل، واستباحوا دمائهم، وكأن الله لم يخلق غيرهم، فادعوا أنهم حاملين لواء الله في أرضه، وأصبحوا رضوان الجنة وخازن النار وملكوا أنفسهم صكوك الرحمة والعذاب.

تحدثوا باسم الله كما لو كانوا مُرسلين من السماء، كفروا معارضيهم، ولعنوا موتاهم، واستباحوا الأعراض لأهوائهم، وكأن الله لم يخلق سواهم وتمسكوا باليوجينيا وطلبوا ألا يتزوج الفرد منهم إلا ممن كانت على شاكلة فكره، ليزداد نسلهم ولا يبق غيرهم.

والفاشيون العسكريون لم يختلفوا كثيرًا عنهم، فرفضوا ما دونهم من الفصائل، وتملكوا بمفردهم صكوك الوطنية والخيانة، يمنحونها لمن شاءوا ويحجبونها أيضًا عمن أرادوا.

يتمسكون بشخص ويعتقدون فيه، ويسيرون خلفه، هائمين، يهتفون يا قائدنا دوس دوس، العقل عقله إن كان لديه عقل والفكر فكره لو كان يؤمن أصلًا بالفكر.

وكما كان لليوجينيا في القرون الماضية من يتبناها ويدافع عنها، فإن الفاشيون الجدد أيضًا دافعوا عن يوجينيتهم الجديدة، بل وبرروا لها وحرسوها وذهبوا إلى أبعد من ذلك فسنوا لها قوانين تحرسها وتحقق أهدافها.

التمسك بـ “الـ 18 يوم” ومبادئهم، كان نجاة للثوار من السقوط في وحل الفاشيتين، فاستطاعوا أن يتفوقوا على غيرهم بأن يظلوا على قيد الإنسانية.

يظل أهل الـ 18 يومًا، همّ الأرض حطبها ونارها والجيش اللي يحررها والشهدا في كل مدارها.

شارك برأيك

شاهد أيضاً

يسري فودة يكتب : “انتحار المنطق”.. فصل لم يُنشر في كتاب “آخر كلام”

“القوانين وحدها لا يمكن أن تضمن حرية التعبير؛ فمن أجل أن يعبر كل إنسان عن …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.