اخر الاخبار
الرئيسية / مقالات / سيد طنطاوي يكتب: متلازمة أبو هشيمة

سيد طنطاوي يكتب: متلازمة أبو هشيمة

“عيني فيها وأقول لا”، منطق خداعي سهل الاستخدام، وقع المصريين في شراكه كثيرًا إلا أنهم لم يتعلموا، هناك مؤسسة قالت أنها لن تكون طرفًا في أيّ من معادلتي الحكم والسياسة إلا أنها كانت الخصم الذي يملك كل شيء والحكم أيضًا، وهناك فرد من أفرادها قال أنه لن يترشح ثم ترشح، وبهذا أقروا منطقًا جديدًا وهو إذا أردت شيئًا بشده فقل “أنا مش عاوزه”، وثق أنه سيأتيك.

هناك من أدرك هذه الخدعة التي تتكرر، وبالتالي كان طبيعيًا أن يسير علي طريقتها كثيرون علي طريقة الهيام.

ممن أدركوا تلك اللعبة واستخدموها، بل ونجحوا بها، رجل الأعمال أحمد أبو هشيمة، ذلك الشاب الثلاثيني الذي أدرك خيوط اللعبة مبكرًا وبدأ في اللعب عليها، بداية أبو هشيمة كانت في مصنع حديد في وقت امبراطورية “عز”، ولم يكن أحد يتخيل أن هناك من سيحاول الاقتراب من تلك الامبراطورية إلا أنه اقترب مستخدمًا نفس المنطق، أنه لا أحد سيظن أنه سيقترب وبالفعل اقترب وسار رقمًا في معادلة الحديد. 

ما يميز أبو هشيمة أنه أدرك منذ البداية كيفية الوصول فوصل اقتصاديًا بسرعة، أما مجتمعيًا فاتبع طريقة إخوانية وهي اللعب علي حبال الفقراء فحينما لم يستطع الإخوان مجاراة مبارك في السياسة، وخافوا من الاقتصاد باعتبار أنهم تحت أعين أجهزته الأمنية، انطلقوا إلى المنظمات الاجتماعية بمعنى أكثر وضوحًا “الزيت والسكر”، فجعلوا الدروس الخصوصية للطلبة اليتامى مجانًا، وكانوا منافسًا قويًا للتموين الحكومي وساعدوا في الإفراج عن الغارمات.

أبو هشيمة اتبع نفس الأسلوب تبرع لأي شيء، أعلن عن تحمله نفقات علاج شاب أصيب بأمراض مستعصية وتداولت مواقع التواصل الاجتماعي حالته وبعدما توفى، نشر نعيًا له علي صفحته الشخصية بالفيس بوك، كما شارك في مشروعات إعادة إعمار القرى الأكثر فقرًا بالتعاون مع عدة مؤسسات فوصل إلى قلوب الفقراء وكلها أعوام قليلة وستراهم يتغنون باسمه كما فعلوا مع غيره، كما حرص أبو هشيمة علي أن تكون تبرعاته في النور ولأهداف محددة مما دفع الدكتور شوقي علام مفتي الجمهورية علي الإشادة به وإرسال جواب شكر له ممهورًا بتوقيعه.

ما يميز أبو هشيمة عن غيره من رجال الأعمال أنه أدرك الخيوط المتشابكة، وأن الأمور لا يمكن فصلها عن بعضها البعض، فعز لعب سياسة فقط, فسقط والإخوان استخدموا ستار الدين مع مجهودات وسيطرة اجتماعية وأموال اقتصادية وقشور من حماقة السياسة فسقطوا أيضًا، أما هو فسعى إلى تجميع كافة أوراق اللعبة في يديه ما بين السياسة والجنس والنظرة الأمنية والاجتماع والمال والطلاب والدين والمظلومين والمظلومية والأمل واليأس, وللحقيقة فإنه يسير حتى الان في طريقه بثبات.

عرف أبو هشيمة قوة الطلاب وتأثيرهم في الحياة السياسية خلال الفترة الأخيرة فتقرب منهم ودخل عالمهم كما لو كان شابًا في نهاية عقده الثاني، مولعًا بالجامعة التي لا يسمع عنها إلا في حكي الأصدقاء، فوصل إليهم وخلال أيام قليلة اتخذ له فتى مدلل له كاريزما مصطنعة يدعى محمد بدران، استطاع اصطياده بكشافته التي يوجها وفق ما يريد نجاحه، وسيطر علي كثير من مقاليد الحكم في الجامعة عبر ذلك الفتى، وبعد ذلك اتخذ خطوته الشعبية فأعلن عن سحور جماعي بجامعة القاهرة مع طلابها وحضره رئيسها جابر نصار وبمجرد إعلانه عن رغبته في ذلك تحولت الجامعة برهن إشارة منه إلى مستودع فول كما لو كانت تكية في عصور مصر البالية.

أمنيًا, درس أبو هشيمة ما يغضب الأمن وما يسعده، وتمتع برضا الوزراء واللواءات والعمداء والخبراء الاستراتيجيين، ولما لا وأبيه لواء سابق كانت شهرته قائمه علي أنه يعرف من أين تُؤكل الكتف؟.

اختلف مع أبو هشيمة أو اتفق، لكن لا بد أن تدرك أنه شاب أدرك اللعبة بسوءاتها ولعب عليها، فعرف ما للإعلام من تأثير فاختبر قدرته علي اللعب علي هذا الوتر مبكرًا, فحينما أراد أن يكون حديث العالم تزوج من هيفاء وهبي وجعل من اسمه ماركة تدور في كل أنحاء العالم وفرض نفسه علي هيفاء ذاتها فعند لقاءه الأول بها قال لها: “أنا خطيبك يا هيفا”, وبالفعل كان خطيبًا ثم زوجًا, ورغم قوة فرض أبو هشيمة شخصيته على الإعلام العالمي إلا أنه فعل ما هو أقوى, فاستطاع أن يمنع تداول اسمه عن عدة مواقع وصحف في خبر زفاف شقيقه طارق أبو هشيمة من ابنة الشيخة فاطمة الفاسي عن الإعلام, رغم ما للعائلتين من حضور إعلامي لا يمكن إنكاره.

رفض العمل بالسياسة وأقسم علي عدم دخولها سواء بالحب أو المعارك ثم أسس أو علي الأقل، الجميع يعلم أنه الداعم الأكبر لحزب مستقبل الوطن الذي كان أحدث الأحزاب عهدًا بالانتخابات والحياة السياسية إلا أنه حقق عدد مقاعد لم يحققه حزب هَرِم في الحياة السياسية كالوفد, وبعد خروج فتاه المدلل محمد بدران من الحياة الجامعية ورئاسة اتحادها, أصبح رئيسًا لحزبه, ثم تقرب من رأس السلطة وكان الوحيد الذي رافقه على مركبه في افتتاح تفريعة قناة السويس, ثم هاجر الفتى المدلل لرجل الأعمال إلى الولايات المتحدة وكثرت حوله الأقاويل فما كان من الالة الإعلامية لأبو هشيمة إلا أن انبرت تدافع عن رجل الأعمال وأنه اتخذ مواقف حازمة ضد الفتى وبالطبع تحولت دفة الأمور كثيرًا لصالحه، ومن هنا بدأت خطوات السيطرة علي صناعة الإعلام, الحقيقة أن أبو هشيمة لا يأتمن أحد غير الفتي الذي رباه علي يديه ليكون قريبًا من الحاكم حتي تكتمل خطته في الوثب إلى الرئاسة في الوقت الصحيح, فلا يمكن اعتبار بدران إلا دوبلير مؤقت لأبو هشيمة في وقت اتباع سياسة التمكين المدنس الذي يتحفظ رجل الأعمال علي الوقوع في مستنقعها ولو في الوقت الحالي علي الأقل.

الإعلام خطوة هامة لأبو هشيمة للسيطرة علي الحياة السياسية وأهم ما يميزه أنه يجيد جس النبض ولا يخطو خطوة قبل التأكد من نتائجها, أي بالأحرى لا يلعب إلا علي المضمونة, بدأها مع الإخوان وغازل من بعيد لم يقدم شيء يدينه, ولم يدفع ما قد يؤثر لو خسره, ورغم علاقاته برجال أعمال قطريين وموقفهم من 30 يونيو إلا أنه استطاع المحافظة علي شعرة معاوية، يشد إذا أرخو، ويرخي إذا هم شدوا.

رجل الأعمال أكد على عدم اقترابه من صناعة الإعلام ووصفها بأنها غير محايدة, ثم أسس شركة “إعلام المصريين”, وسيطر علي قناة المحور ونصف أسهم موقع اليوم السابع, واشترى قناة ON TV من رجل الأعمال نجيب ساويرس, ومؤخرًا سيطر في صفقة من الباطن علي موقع دوت مصر وهو ما تبعه فصل 85 صحفيًا, وانبرت رئيس تحريره علي الفور في نفى علاقة أبو هشيمة بفصلهم أو حتى بسيطرته علي الموقع جزئيًا أو كليًا.

سياسة أبو هشيمة الان أصبحت أشهر من النار علي العلم يرفض الشيء ويطلق تصريحات ضده وبعدها بأيام يكون مسيطرًا عليها، سياسة نجحت ولم يفهمها كثيرون حتي الان، سياسة أسسها من قالوا أنهم لن يكونوا طرفًا في معادلتي الحكم أو السياسة وكانوا, قال كبيرهم لن أترشح وترشح, ومن هنا أبو هشيمة فهم اللعبة.

شارك برأيك

شاهد أيضاً

يسري فودة يكتب : “انتحار المنطق”.. فصل لم يُنشر في كتاب “آخر كلام”

“القوانين وحدها لا يمكن أن تضمن حرية التعبير؛ فمن أجل أن يعبر كل إنسان عن …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.