اخر الاخبار
الرئيسية / كلنا عشاق / صلاح عبدالله يكتب: يوم ذقت الحب

صلاح عبدالله يكتب: يوم ذقت الحب

قد تكون في حياتنا عقبات ضخمة مزعجة تمثل جزءا لا يتجزأ من دنيانا. وقد يخيل إلينا أننا استطعنا التغلب عليها. إما بأن نعتادها فلا نكاد نستشعر ضررها. أو بأن نتجاهلها فلا نكاد نجد أثرها، أو بأن نستعين عليها بغيرها فنحسب أننا قد اتقينا خطرها.

وتظل الحال على هذه الشاكلة إلى أن نتعرض لهزة من هزات الحياة العنيفة فإذا الذي كنا نحسب أننا أمناه قد أسفر عن أشد وجوهه قبحاً وإذا هو أشبه ما يكون بعصى موسى، يلقف ما تأفك الأوهام.

كانت هذه هي حالي مع كف البصر. فإني لم أعرف شيئاً يساويني بالمبصرين إلا عملته. تعلمت الكتابة على الآلة الكاتبة قبل وجود الكمبيوتر حتى صرت أسرع من بعض المبصرين. وتعلمت الكمبيوتر في شهرين فصرت من أمهر مستخدميه. وعلمت نفسي الإنجليزية، بنفسي فكانت إنجليزيتي تعجب الأمريكان. وتعلمت الأعمال المنزلية حين احتجت إليها فأصبحت أعمل الأرز وشربة الكريما خيرا من أمي.

وقرأت آلاف الكتب في شتى ألوان المعرفة. وأعددت رسالة دكتوراة في موضوع نادر يحتاج إلى فريق عمل بأكمله. وسافرت إلى أغلب محافظات مصر فعرفت ما فيها ووقفت على طبائع أهلها. وخالطت طبقات الناس على اختلافهم من باعة ومتسولين ولصوص وحرفيين ومشايخ وصحافيين وإعلاميين وفنانين ومسؤولين كبار. وملأت القاهرة شعراً وفلسفة وأحاديث ونوادر. وكنت أظن أنني بذلك، قد أصبحت فوق العمى أو جعلت العمى بصراً مختلفاً.

أجل كنت أظن ذلك إلى أن طاف بي طائف من الحب. نعم طائف من حب تلقاه جسدي برعشة ملساء. وتلقاه قلبي بدقات توشك أن تكون لحنا لا يطمح إلى تأليفه أرقى الموسيقيين، وانفتح له باب أيامي على مصراعيه.

نعم حب يشبه الخبر السار في الزمان الكئيب. لهذا كنت فرحا أضحك بلا سبب. وآكل بلا جوع. وأعمل بلا ملل. أما هي فلا أدري ماذا أقول لكم عنها. لو سمعتم همسها الصاخب أو صخبها الهامس لحسبتم أنها أميرة قادمة من الحواديت القديمة قد تنزلت إلى دنيانا لتمسح على رؤوس اليتامى أو لتبتسم بعض ابتسامة فتنفتح أبواب الحياة في وجوه البائسين.

كانت هي والله أحلى من لحظة الإفطار بعد صيام يوم حار. ففي هذه اللحظة فرحة الإنجاز بعد الصبر. وفرحة الطاعة التي تبدعها العبادة في قلوب المؤمنين. وكانت ضحكاتها العذبة في مسامعي تشبه الخبز في بيوت الغلابة إن أكلوه أشبعهم. وإن ادخروه طمأنهم. وإن فقدوه بذلوا في طلبه الحياة.

خفيفة الظل كأنها في عمر الدنيا لحظة من لحظات الصفاء النادرة. متواضعة قد آثرت غيرها على نفسها حتى لكأنها بحاجة إلى من يخبرها أنها موجودة وأن لنفسها عليها حقوقاً. تذوب في الشعر كأنها كلمة. وفي الموسيقى كأنها نغمة. أما حبها لي فدعوني أقل لكم إن قبحي في عينها رائع. وكلماتي عندها شرائع. وإنها تتنفسني دون الهواء وتتعالج بي دون الدواء.

وبعد هذا الذي شرحته لك كم كنت أحبها في ظنك؟ كنت أحبها أضعاف حبها لي. وكنت إذا حدثتها أو سمعت منها يخيل إلي أن كائنات خفية قد قامت بتوسيع الدنيا فجأة. ولم تكن هي تسكب الأحاديث في مسامعي كما يسكب الناس الماء. بل كانت تزرع بين كل جملتين شجرة تستريح تحتها بعض الوقت. كان كلامها الموجز العذب يصلح أن يوزع في أعياد الميلاد على أنه نوع من الحلوى. ولو أنك ألقيت إليها السمع وهي تقول لي قبل العشاء “كل كويس”، لحسبتها قد تعلمت اللغة قبل أن تخترع الإنسانية الشر فليس في كلامها منه شيء.

ويوم التقينا لقاءنا الوحيد بعد ترقب طويل كان يوم لقائنا عيدا قد أشرقت شمسه ليلا. حين مسست يدها برفق خيل إلي أن أصابعها الخمس ليست مجرد خمس أصابع. بل خمس كلمات جديدة في الحب وكأن كل يد من يديها تصلح أن تكون أُما يأوي إليها الضائعون من أطفال العالم!! كان صوتها يهمس في أذني. ويدها تغني في يدي. نعم خيل إلي من رقتها أنها لا تشرب العصير بل العصير هو الذي يشربها. كنا في مكان مزدحم لم نلتفت فيه إلى أحد. ولم يبق فيه أحد إلا التفت إلينا.

كانت الهمسات واللمسات والضحكات تتردد بيننا كطائرات الورق التي يطيرها الأطفال فوق أسطح البيوت أو في الأماكن الواسعة. وكانت مناقشة التفاصيل التافهة أو استعادت بعض الذكريات القريبة أو البعيدة تحدث في نفوسنا خدرا لذيذا يعرف كيف يذهب بالزمن.

لأجل هذا جميعا لم أحتج إلى وقت طويل لكي أعلم حين عرفتها أنها هي التي أنتظرها طول عمري. ويوم فكرت في أن أعرض عليها الزواج خفت عليها أن تقتلها الفرحة. لأن الفرح والحزن كليهما قد يقتلان القلب الذي يعجز عن تحملهما. وكانت المفاجأة التي لم تخطر لي ببال حين عرضت عليها الزواج فلم يتحرك لها ساكن بل اجتاحها طوفان من التردد الذي لم أعرف له سبباً.

أخذ الكلام يتعثر في فمها. تعثر الطفل الذي يتعلم المشي.حين طلبت منها الزواج، نعم ولكن.. ولكن ماذا؟ أريد أن أقول.. تقولين ماذا؟ المسألة أنه.. أنه ماذا؟ لا بد أن أستشير، وحين قالت هذا أصابني قلق مروع. لأنني أعلم أن العاشق لا يستشير وأن المستشير ليس بعاشق.

وبعد ذلك بأيام قليلة قالت بنبرات يتخللها الحزن: دعنا نكن أصدقاء. وحين قالت هذه الجملة أصابتني من الداخل زلزلة عنيفة. ولم أعرف ما أقول. وبدلاً من أن تقتلها الفرحة قتلتني الدهشة. وكان علي أن أعرف لماذا رفضت الزواج؟ ولم يخطر ببالي ما قالت لأنني كما قلت لكم كنت قد أوشكت أن أنسى مسألة العمى هذه.

وافترقنا حينا من الدهر. فلم أطق أنا ولم تطق هي مزيدا من التباعد. فلم نلبث أن تراجعنا وإذا حبنا قد عاد أشد مما كان عليه من قبل. وأخذت أعيد عليها الكلام. ولم أزل ألح عليها في أن تطلعني على الأسباب الحقيقية وراء هذا الرفض. وبعد إلحاح طويل في أيام كثيرة قالت لقد استشرت الناس فقالوا إن في زواجك منه مخاطرة كبيرة. فمن ناحية سوف تكون لغة النظر مفقودة بينكما تماما وهي لغة مهمة بين كل زوجين يتفاهمان بها حين يكونان بين جمع من الناس خصوصا حين يحتاجان إلى التلميح دون التصريح.

ومن ناحية لعله يشك فيك حين تمشين معه في الشارع أن تكوني قد ضحكت لهذا أو أعطاك هذا رقم تلفونه لأن عجزه عن النظر قد يملأ نفسه شكا ويجعل صدره ضيقا وانفعاله حادا سريعا. ومن ناحية أنت ممن يحبون الأناقة ويعنين بالجمال. وهو لن يستطيع أن يقدر هذا على الوجه الأكمل. فأنت ربما تضعفين أمام الكلمات الحلوة التي قد يقولها لك غيره تعبيرا عن الإعجاب بهذه الأناقة. وأي إحساس تشعرين به حين يعجب الناس جميعا بفستان الفرح وهو لا يستطيع أن يراه؟ ومن ناحية حين تعيدين ترتيب البيت وتتأنقين فيه غاية التأنق فإنه لن يلتفت إليه ولن يشعر به. وإذا كان لكما طفل فإن طفلك قد يفسد في البيت وأنت مشغولة وزوجك عاجز عن متابعته، إلى غير ذلك مما يدخل في جنسه.

ولا داعي أن أخبركم بردي عليها حسبي أن أقول لكم إن هذا الحب الذي كان لي جناحا أطير به إلى السماء السابعة قد أصبح مجرد جثة ملقاة في داخلي. أو كومة من الأحاسيس الثقيلة كلما مضيت أتجول في أعماق نفسي عثرت بها. سوف يقول بعضكم إنها محقة لأن العمى خرس في الوجه كما أن الخرس عمى في الألسنة. ومن حقها أن تستمتع بالعيش مع رجل مكتمل يسارقها النظر. ويبدي إعجابه بوجهها حين يتلألأ حسنا. ويشاركها الإحساس بكل ما يمكن مشاهدته. ويرى خيال الجنس في عينيها حين تحتاج إليه. فيسارع إليها دون أن يجشمها عناء الطلب الصريح.

وسوف يقول بعضكم إنها تافهة لأن الحياة لا تبنى وتنهدم على مثل هذه القشور السطحية وما من شيء يمكن التعبير عنه بالنظر إلا ويمكن التعبير عنه بغيره. والحياة تستمر حين يريد لها الأحياء أن تستمر. وسوف يقول آخرون إنها محبة ولكنها ضعيفة خائفة وإذا كان الحب يخصنا وحدنا فإن بناء البيوت يخصنا ويخص غيرنا. حسنا فليقل كل واحد منكم ما يبدو له ولكن التجربة التي مررت بها قد وضعتني وجها لوجه أمام حقيقة مؤكدة هي أن الهين علينا قد يكون ضخما في أعين غيرنا. فحين سمعت منها ما سمعت عاودني بعد الشعور بالبطولة شعور آخر بالضعف والانكسار. فمع كل نجاح أنجزته وجع يقلل قيمته.

مع المشي الطليق الحر في الشوارع لا بد من عصى. ومع عبور الشارع لا بد من مبصر يقظ نعبر معه الشارع بخوف. أو مهمل نعبر معه الشارع بكارثة. ومع القراءة لا بد من متطوع مجتهد أو كسول يلقي إليك فتات الجهد والزمن. ومع الدراسة العالية ضعف ما كان يجب أن يمر من الزمن. ومع المهارة في الأعمال المنزلية عشوائية قد تنتابني حين ترتعش الملعقة في يدي وأنا أرفع الطعام إلى فمي.

والحب إحساس معسول حين لا تدخله المسؤولية فإن دخلته المسؤولية فإن هناك حسابات أخرى تتحكم في واقعه ومصيره. لهذا أرجوكم أن تصدقوني حين أقول لكم إنني لست ساخطا عليها غاية ما هناك أن فكرة زواجي منها أصبحت مزعجة بالنسبة لي لأن أوسع أبواب التعاسة في الحياة الزوجية هو أن يدخل أحد الطرفين هذه العلاقة وهو يشعر أنه يقدم تنازلات. لأنه في هذه الحال سوف يندم عند كل عقبة تواجهه ويتحسر على كل ما ليس بين يديه حتى وإن كان لا يصلح له.

هذا هو المنطق. ولكن المنطق لا يغني من الحب شيءا. فكم من مرة تذكرتها فيها. فيعصف بي من الحنين ما لا طاقة لي به. نعم أذكرها بين الحين والحين. فأحس أنني قربان يبحث عن إله. أو معبد ليس فيه كاهن. أو صلاة لا تجد من يصليها. أذكرها فأمضي إلى حيث التقينا ذات يوم. وأستبقي مقعدها الفارغ إلى جواري. وأطلب لها عصيرا لا أشربه. وأعلم أنها لن تشربه. وأنتظرها وأنا أعلم أنها لن تأتي أبدا.

وأقص عليها بيني وبين نفسي ما جرى لي وهي بعيدة. بل ربما يساورني القلق حين تتأخر هي عن موعدنا الذي لا علم لها به!!! وأي عجب في هذا؟ أليست الأيام في الزمان مثل الطرق في المكان؟ تجمع المفترقين. وتفرق المجتمعين. وبين الاجتماع والافتراق توجد قلوب قد رأت ما حل بغيرها من العشق فهي تسأل الله ألا يحل بها أبدا. وقلوب لا عهد لها به. فهي تسأل الله أن يتنزل عليها العشق. وقلوب وجدت في الحب السعادة. فهي تسأل الله دوام الحال. وقلوب لم تذق من الحب إلا الحرمان. فهي تسأل الله الصبر.

شارك برأيك

شاهد أيضاً

حنان فتح الباب تكتب: خواطر عابرة

اتي الشتاء مسرعا كأنه يعلم بارأدتي في تجميد هذا الإحساس الذي يجول بداخلي كفارس منتصرا …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.