اخر الاخبار
الرئيسية / كلنا عشاق / محمود صفا: حين التقي العشاق بعد فراق

محمود صفا: حين التقي العشاق بعد فراق

نيران العشق تلتهم القلوب المكلومة، تكتوي تلك القلوب عادة بنيران الفرقة والإشتياق، فتنضح بمفردات عشقها، تتبدي علي الوجوة أثار ما نضحت به القلوب فتصير الحياة إلي منعرج أخر، أكثر إيلاماً، أشد قسوة، يصبح الشخص بأخر شديد العرضة للجرح ولو تحت تأثير الكلمة الواحدة، حتي وإن كانت دُعابة، الإ أنه و بإشارة واحدة من المعشوق، يصبح شخصاً أخر غير ذي سابق، لا هو بشخص أول أمس المحب المسالم، ولا هو بشخص الأمس شديد اليأس مقبلاً علي الألم أكثر منه إقبالاً علي الحياة، تتورد وجنتا الوجه فيصبح الوجة مشرقاً أكثر من أي وقت مضي، تنتعش أطراف الجسد بشعور الفرح، فينشط الجسد ساعياً إلي الغير ممكن، علي أتم إستعداد لفعل كل ما هو مستحيل، وإنجازه، بل والتميز فيه أيضاً.

الماضي موصولاً الأن بالحاضر، طرأت تغيرات الزمان، فكانت النتيجة تحولاً تاماً في فكر العشاق، في ذروة اللقاء وإن كان قد تم بإحدى النوايا، فإن النوايا قد تغيرت، كل التخطيطات السابقة بائت بالفشل، فشل الجمع فيما عدا واحد، إنتصرنا له أخيراً و بعد سنوات، انتصرنا للقلب الذي ذاق العذاب بكافة الأشكال والألوان، ما كذبتة الأعين بالأمس، وما لامس فيض الشعور فعصف به حيناً، وحين قاوم إنتشله من الجذور فصار كالنار في الهشيم، تأكل الأخضر واليابس، ويتبقي فقط الرماد، والأن نجمع رماد العشق ونبني فوقه جسوراً، بدت في بعض الأوقات درباً من الخيال، ولكنها اليوم واقعاً ملموساً لا نمتلك حياله سوي إقناع أنفسنا حقاً، بأن ما نحن فيه الأن واقعاً، نحن الأن بالفعل سوياً، أصدق شعور يمكنه أن يتملكنا في وقتنا الراهن هو شعور الإنكار، ولكن ولأنها القلوب التي صدقت أكاذيب الأمس كي تتجنب الألم، تجبرنا علي التصديق الأن، حتي وإن كان ما نحن فيه بالفعل خيالات أو أضغاث أحلام، كما حدث لنا دوماً في كل أيام الفراق.

وكما هي الأحلام دوماً معيناً في أحلك الأوقات، تنتشلنا عادة من أحاسيس التيه والضياع، فنجد أنفسنا قِبال المحبوب شحماً  ولحماً، أحياناً يأسرنا العتاب فيكون اللقاء مثيراً لأبعد الحدود، خالياً من إختلاجات الضعف داخل النفس، فتُعاتب حقاً بما قد عصف بك، فهذا هو أنت حقاً، فيما عدا أنت، أنت خالياً من ذاتك، بلا روح، هذا هو أنت الذي تأمل فيه، ليس ما أنت عليه بالفعل، وأحياناً أخري ترتجل دور المنتقم، هذا إن إشتد عليك ألم الفراق، فتستيقظ وفي نفسك شئ من إنتقام، الإ أنك عادة ما تتلاشي هذا الإحساس في لحظات الحنين، وحتي في أوج لحظات البغضاء، فأنت لم يحدث وإنتقمت فعلاً، وفي كثير من الأحيان الأخري، يكون اللقاء حميمياً، يأخذك عقلك الباطن لرحلة التمني الأزلي، إلي كل ما طَمَحَت إليه في عشق المحبوب، فبين عيون تائهة في العيون، وبين قلوب تنبض للقلوب، وبين واقع آثيري باطنه الحلم، أنت قيد الأسر الأن فلا هرب منه ولا فكاك، وحتي إن تخلصت من القيد، فأنت حقاً لا ترغب في الفرار، فقيد القلب أقوي بكثير من قيود الأيدي والبدن وإن زادت وكثرت وإستفحل عددها، وما إن تقترب من تجرع كأس النشوة كاملاً، حتي تكتشف أنه بالفعل كان فارغاً وكل ما رشفته منه، كان سراباً، حينها تكون قد تركت عالم الأحلام، في الواقع أنت في عالمك الحقيقي، في خيالاته أنت برفقة المحبوب، يسيطر عليك الإحساس قدراً من الوقت، ثم يتركك إلي حالة التيه الأولي، بل وأصعب كثيراً مما كنت عليه، فبين عشق الفناء رغبة في التخلص من قبضة القلب، تزداد الرغبة في الفناء، تنفيذاً لمفعول لجرعة كأس السراب التي إرتشفتها.

كل ما سبق يهرب ويتلاشى تماماً، في غمرة اللقاء الفعلي، علي أرض الواقع، لا ردهات الخيال، الطاقات السلبية التي إعترتك مروراً بأيام الأسي والدموع، تتحول بفعل العشق إلي طاقات إيجابية باطنها القلوب، وظاهرها القلوب أيضاً، فالقلب إن إستنار، يستنير معه العالم أجمع، فلا يوجد حاكم ظالم وعاشق في الوقت ذاته، والحضارات تُبني بأيدي العشاق، المكلوم لا يبني، الجراح في القلوب تضمحل بالأمم، شعور الجرح بداخل الإنسان يستفحل، فتدركه الأمم قابعاً في منحنيات التواريخ الخاصة بها، فمتي ما عشق الإنسان حقاً، أقبل الإنسان علي الحياة، ومتي ما إنتصر العشق، ينتهي الظلم، وتنتهي معه كافة أشكال الفساد من عالمنا، فالعشق هو أساس الكون، لا حروب يخوضها عشاق، وإن خاضوها فلصالح من لم يعرف قلبه العشق، أو من أدركت قلبه سهام العشق فأصابته بوابلٍ من الجراح.

وها نحن هنا اليوم نلتقي بقلوب صافية بعد عناء، فلا ضغائن بداخلنا علي الإطلاق، إختفي بيننا العتاب، فكأننا إلتقينا لقائنا الأول وللتو، وعشقنا بعضنا البعض من النظرة الأول كما يسمونها، ولكنها لم تكن بنظرة علي الإطلاق، حقيقة الأمر، أن العشق يولد مع القلوب، فتحمله القلوب علي عاتقها، حتي تحين اللحظة الفارقة، فتهب العشق لمن كُتب علي القلب عنوان قلبه، بقلوب عاشقة، شعاعها قمرٌ كامنٌ، يكون الحب، أفلا سمعتم من النبضات أزيزاً!  

 

 

شارك برأيك

شاهد أيضاً

حنان فتح الباب تكتب: خواطر عابرة

اتي الشتاء مسرعا كأنه يعلم بارأدتي في تجميد هذا الإحساس الذي يجول بداخلي كفارس منتصرا …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.