بوابة يناير
بوابة يناير
أخر الأخبار
محمود صفا يكتب: البُحيرة الحمراء
556265266

علي ضفاف مجري مائي عذب بإحدي القري النائية بصعيد مصر، وبالتحديد في ثلاثينات القرن الماضي، لم يكن القدر رحيماً بقلوبهما علي الإطلاق، فمنتهي العبث أن لا تتعلق القلوب ببعضها، وقد أرادوا لهذا العبث أن يكون، ولكن ولأنه العبث لم يكن الإ كرد فعل آزلي حليفاً لأعراف الطبيعة البيئية ذاتها، واقع أدمي القلوب  وجهل بالعشق إنتصرت له دماء العشاق.

تقابلا ذات يوم قبيل الغروب بلحظات، فكان يحلو لأحدهما رؤية الشمس وقت الرحيل كأنه حقاً يودعها إلي المثوي الأخير، كأن صديقاً أو حبيباً سيغيب بلا عودة و لكن بسابق إنذار وبعد طول التعلق، فكان يحزن للغروب ويسعد دوماً بالشروق، ولمناجاة القمر أحياناً كان الدور الأبرز في السؤال عن مدي الغياب، هكذا عشقها أحدهم، وهكذا كان شفقها الأحمر يثير ميل أخرهم، فتلاقت النظرات فور الرحيل، ويوماً فيوماً سارت الهمهمات في الأوصال، فتقاربا شيئاً فشيئاً فتحادثا خلسة عن أعين ما تندر به الطريق.

تحول العشق من الشمس بشفقها الأحر إلي سمرة العين وبياض الوجه، وتحسست الأعين بعضها البعض، فصارا للعشق ملاذاً أول وأخير، ونبش القلب قلباً أخرا فإنصهر القلبين قلباً واحداً، في سماته التوحد الغير قابل للتفرق من جديد، عاجلاً كان أم أجلاً، فباء الزمان باللعنات ولكن لهيب العشق كان قد إستشري، وسيطر تماماً كما المخدر بسلطته علي المدمن، لن يلفظه أبداً مهما توصلت به الأحوال.

تلصصتهما الأعين فثارت الفتنة كالنار في الهشيم، وفضت الأقاويل غشاء براءة عشقهما، فتكونت للعشق براثن ستلتهم وتطارد وتقاتل حتي رمقها الأخير، وستظل الروح لعنة علي من إقترف في حق عشقها ذنباً يذكر، عن عمدٍ كان أو بدون، ثارت ثائرة الشر فتمكن وكان وأهله بالمرصاد لكل محاولة للحب، فالشر لا يفله الخير بل يفله الحب، وما إن يتمكن الحب فيثير الشر أسطورة الماضي البغيض.

همهمات الشائعات لاحت في الأذان وتبعتها أعين الشر فأوصلتها بإسلوب إغوائها البديع فكانت النهاية، تجمع الفرقاء علي أن لا تقوم للعشق ببذائته قائمة تذكر، فالعشق داء والجدير بس أن تستأصلة العادات من الجذور حتي لا تحيد همم الرجال، ولا تنتشر فتنة النساء، واتفقوا لأول مرة وغالباً كانت الأخيرة علي المضي قدماً في درأ شظية العشق من صدر القرية.

واليوم يا أحفادي، أذكر لكم وبصراحتي المعهودة التي عهدتموها مني، بأن قريتنا لم تقم لحادث قتل أو سرقة أو واقعة فسادً أو زنا، كما قامت قومتها الوحيد ضد حالة عشقها الأولي، فكما تقابلا سوياً عند البحيرة الصغيرة، ردت لهما البحيرة شرف وطأة عشقهما ضفافها بأن إختلطت دمائهما البريئة بمياه البحيرة فصار لون البحيرة من يومئذ حتي حاضرنا أحمر بلون دم العشاق.

شاركـنـا !

تعليقات فيسبوك
أترك تعليق

فيسبوك
استطلاع

ماذا سيكون قرار البرلمان بشأن اتفاقية "تيران وصنافير"؟

View Results

Loading ... Loading ...
تابعنا علي تويتر
جميع الحقوق محفوظة لـ بوابة يناير © 2016