اخر الاخبار
الرئيسية / كلنا عشاق / محمود صفا يكتب: قلوب انتصر لها الزمان

محمود صفا يكتب: قلوب انتصر لها الزمان

رائعة هي تلك القلوب التي تعيش من أجل مشاعرها النبيلة والسامية، قلوب لديها الإصرارعلي برهنة الولاء و الوفاء لمن أحبت وأحياناً يحدث هذا تحت وطأة الهجر والجفاء والتنكر لقلوب نبضت بهم ولهم!  قلوب تراها يومياً رأي العين فتألفها حتي يصير الأمر لك مألوفاً برمته، ولكن شتان الفارق بين ما تظهره تلك القلوب وبين ما حفظته في طيات الذكريات، راسخاً في تلابيبها، ساكناً في بعض الأحيان فتمتلئ الشوارع بضجيج أصحابها، مزلزلة الأركان في أحيانها الأخري، فتنغلق الأبواب وتستتر ورائها المعذبة نفوسهم والقلوب الثَّكلَي والمحترقة بنيران الفقدان والهجر والحرمان، فشتان الفارق بين توأمين ملتصقين ينعمان برأسين لا أمل في الفصل بينهما و لكل منهما تفكيره المستقل ورغباته المتناقضة مع من يشاركه الجسد الواحد، فتجدهما أبد الدهر في شقاق وعراك، فإما أن يموتان سوياً فيصبح الإنسان عديم القلب بلا جدوي، وإما أن يجور أحدهما علي الأخر فيقتله ويعيش ما تبقي له في الحياة، هذا إن تحملها، بوجيعة الجرم الذي إرتكبه في حق الجزء المبتور من روحه.

في خضم الأحداث العابرة من حياتنا الشخصية، نعيش وتمتلئ أركان أيامنا بعبر الحياة ورسالاتها لكل منا، فتارة تجد من كان في قمة هرم السعادة تتقلب به الأحوال وتعصف به الحياة الدنيا إلي الوحل، وأخرون تبتسم لهم الحياة أخيراً بعد طول معاناة، سعادة وحزن خالصين لذاتهما لا يحركهما كائن ولا يتأثرن بسلطة مال أو جاه أو سلطان، مشاعر ترتسم لخاطرها خيوط العمر القادمة لتسطر بذلك حيوات أخري لأشخاص أخرين تزج بهم مفارق الحياة إلي طريقنا فنتأثر بهم ولهم ونؤثر فيهم، سلباً كان أم إيجاباً.

أزمان تنقض ببراثنها علي الأجزاء المختصة بالمشاعر النفسية في الأجساد فتعصف بها تارة وتنتصر لها تارة أخري، ونحن وإن كنا جميعاً من العشاق، فقد إختلفنا في مذاهب عشقنا، فالحب لا يفرق بين غني وفقير، حاكم أو محكوم ، فقط يأمر القلوب فتنصاع له ملبية النداء مكبلة الإرادة، و كم من جرح غار علي قلوبٍ فحطمها تحطيماً، وكم من قلوب مثابرة قاومت الجرح وتحدت الألم، فكُتب لها الشفاء، وإن طال العناء، ولكنها في خاتمة الأمر قد برأت من علتها.

كم صادفتنا في يومياتنا مغامرات الحب المختلفة، والحب هنا ليس مقتصراً علي الحبيب الرجل والحبيبة الفتاة ، فحب الأهل يأتي ليحتل جزءاً أصيلاً في حياة الإنسان، حب فطري لا تنغصه غيرة أو شك، والبرهنة عليه تأتي في أصيل واقعنا اليومي، ولكن!! كم من وجيعة ألم أو مرض أو فراق عصفت بكيان أسرة كاملة، كم من سفر أو غياب صحبته الدعوات والأماني اليومية حتي يعود الغائب، تلك القلوب إنتصرت في أوقات أفراحها وقدوم مواليدها و مراحل الأعمار المختلف بمختلف أحداثها، وإنفطرت في وداع الإبنة لمنزل زوجها، أو وداع الإبن لغربة أو سفر، أو الحتمية الأزلية في توديع أحدهم لمثواه الأخير، مع إنتصارات لحظية عابرة بالزيارات الدورية والمناسبات المستجدة علي كيان الأسرة، فتملؤنا البهجة أحياناً، ووقت الفراق يتعايش معنا الألم.

الأهازيج المختلفة تنبض في واقع يومنا المتجدد، فتجد الحب غير محسوب الخطوات أو الأهداف يأتي بظلاله ليشتمل علي المحبين الحقيقيين لأوطانهم، فتتهلل أساريرهم لعلو وسمو وتخطي أوطانهم للمحن والصعاب، أو كما عصف بنا جميعاً في أوطاننا من إغتيال يومي للأحلام والإنسان فتنجرح قلوبنا العاشقة، متطلعة إلي النعيم السرمدي الذي يلوح دائماً في آفاقنا، غير مكترثين بجدوي حدوثه، ولكننا مصرون علي الحلم والتشبث بحتمية الإنتصار للقلوب العاشقة، وحتماً سننتصر، قصر زماننا أو طال، أو حتي بأضعف الإيمان، سينتصر الوطن بعد رحيلنا.

الصداقة هي الكنز الذي يسعي لإمتلاكه الإنسان طيلة حياته، فيتفرق بين هذا وذاك، تلقي به بحور الأيام لعقد مختلف الصداقات، فتنخدع كثيراً حتي تتفتح بصيرتك علي شتي النواحي الحياتية، فإن أنت تعلمت منها، صارت لديك المقدرة أن تأمن مكر من يمكرون، وتتسع آفاق حاستك السادسة لتلقي بظلالها علي القادم في حياتك من صعاب قد تواجهها، وما إن تمر بك السنون وتُقْلب في عديد أوراقك المتناثرة، فتأخذك ذاكرتك، علي إختلاف سعتها، إلي الصداقات التي إنتصرت لك في رحلة البحث عن الكنز.

وللمحبين عوالم أخري، صنعوها بأيديهم، أو دبرتها لهم الأيام، فهذا شغفه الحب لقلبها فملكها وملكته، وسبحا سوياً في ملكوت النعيم الأبدي، فصدمتهم الحياة بواقعها، فتفرقا، وصارا علي الدرب ذاته من الوجيعة والحزن، فمنهم من إنتشلته الأيام من العذاب و مدت له يد العون بحب من نوع أخر، قد يكون بحبيب خبّأته الأيام أو بحب نتج عن العشرة والألفة والمودة، أو سعادتك بوليدك الذي تألف لصحبته، والوحيد في الحياة التي تقبل له عن طيب خاطر بل و تسعي أيضاً لأن يصبح أفضل منك شأناً، هذا الحب قد أثري حياته بعد عناء فإنتصر، ومنهم من عاش علي الحلم المحال فإنكسر. وذاك نبض قلبه حباً ولم ينبض له قلباً أراده، فتحسس بقلبة ردهات الحياة ودهاليزها، فأحياناً إن إمتلك القدرة علي الصمود وتجلد في البحث عن ملاذه الآمن فإنتصر له الزمان، وفي أحيانٍ أخري عاش أسيراً لأسطورتة الزائفة غير قادرًا علي النهوض من ظلماتها إلي نورٍ أخر يلمع في الأفق، فضل الطريق.

والحياة دوماً تعطي الفرصة للإنتقام، فمن تشفي في قلبٍ، تشفت فيه قلوب، ومن تلاعب بعاشق، مصيره حتماً إلي شقاء، والدنيا لا تقايض ولا هي متواطئة، هناك قانون للحياة يصير علي الجميع، فيا أيتها القلوب رفقاً بنظائركم ترفق بكم الحياة، وإياكم والتجبر، ففي قوتكم ضعف للأخرين، ولكن ولأن صفة الكمال ليست في صفات الإنسان، فهناك أيضاً فيكم ضعف، تكمن فيه قوة أخرين.

شارك برأيك

شاهد أيضاً

حنان فتح الباب تكتب: خواطر عابرة

اتي الشتاء مسرعا كأنه يعلم بارأدتي في تجميد هذا الإحساس الذي يجول بداخلي كفارس منتصرا …

شارك برأيك