اخر الاخبار
الرئيسية / مقالات / مروة مغربي تكتب: هؤلاء هم معتقلو الفسحة

مروة مغربي تكتب: هؤلاء هم معتقلو الفسحة

فى التاسع والعشرين من مايو الماضى، قررت نيابة حوادث جنوب القاهرة القبض على شابين وأربعة فتيات، هم سارة مهنى ونانسي كمال وإيناس إبراهيم ومها مجدي وأحمد نصر ومحمد محفوظ، بعد أن وجهت لهم النيابة- بحسب المحضر الذي تم تحريره بقسم الجمالية رقم 1483 إدارى الدرب الأحمر لسنة 2017 – حزمة من التهم الملفقة، من بينها التحريض على التظاهر وتأسيس حركة معارضة ونشر أخبار كاذبة وحيازة محررات ومطبوعات وتعطيل أحكام القانون والدستور وإثارة الشعب ضد اتفاقية تعيين الحدود البحرية مع السعودية، التي ترتب عليها نقل تبعية جزيرتي تيران وصنافير إلى المملكة، تم حبس الستة 15 يوما على ذمة التحقيقات، هكذا مر الأمر بمنتهى البساطة عندما قرر النظام تصنيف هؤلاء الشباب كمتهمين والزج بهم فى السجن.

من بين الستة تم إخلاء سبيل أحمد نصر الذي أصيب بسرطان فى الدم وتدهورت صحته فى غضون شهر واحد، مما جعل النيابة تخشى من تحمل مسئوليته، وأخلت سبيله بضمان محل الإقامة، فيما تخضع مها مجدى للعلاج فى المستشفى تحت حراسة أمنية مشددة نتيجة نزيف حاد بالمعدة ، وتقضي الآن سارة مهنى وإيناس إبراهيم ونانسي كمال يومهم الخامس والخمسين فى زنزانة مساحتها مترين طولا وعرضا في قسم الجمالية، بينما حُجز محمد محفوظ فى زنزانة انفرادي ينتظرون جميعهم جلسة اليوم الخميس في نيابة زينهم بمحكمة جنوب القاهرة.

الجميع ينتظرون، الجميع يتقاسمون الأمل فى الحرية، وفى الخارج هناك الكثيرين لايعلمون من هم معتقلى الفسحة؟

سارة مهنى
عصفور الجنة .. هكذا يلقبها كل من عرفوها، عاشقة الصحافة ورفيقة الضعفاء، كانت ولا تزال الأكثر موهبة بين صحفيات جيلها، هى – البنت اللى بمية راجل – ما إن تخرجت من كلية الحقوق حتى شرعت في تحضير رسالة الماجستير بالقانون الدولى بالتوازى مع عملها الصحفي الذي تعيش لأجله وتنتمى له ولأحلامها المشروعة، إن زهدت الدنيا وما عليها لا تمل القراءة لحظة، تعشق كتابة الشعر والقصص القصيرة، سارة مهنى الصحفية المجتهدة الرقيقة الطموحة العنيدة الصبورة العفوية النبيلة كل هؤلاء فى واحدة، احفظوا هذا الأسم جيداً، فقريباً ستجدوا صاحبته متربعة على منصة أكثر الكتب مبيعاً بين الروائيين.
إن كان بإمكانك أن تسجن جسداً خلف القضبان فتذكر أن “الأفكار لها أجنحة محدش يقدر يمنعها من الطيران” كما قال المخرج الراحل يوسف شاهين، ملخصاً قصة حياة الفيلسوف العظيم ابن خلدون .. ما أشبه اليوم بالبارحة، عصفور الجنة لا تسجنها جدران، فالعصافير تشدو حتى خلف قضبان القفص.

نانسي كمال
فنانة تشكيلية قدمت العديد من المعارض الفنية، تخرجت من كلية الحقوق لتلتحق بعدها بكلية الفنون التطبيقية، أم لطفلين من الملائكة، “فيروز وحياة”، اللاتى لا يعرفن شيئاً في هذا الوطن سوى أمهم، هى وطنهم وهى الحياة بالنسبة إليهم، لا يعرفن أيضاً كيف سيذهبن إلى المدرسة عقب شهر واحد من اليوم دون أن تصطحبهم كعادتها كل صباح، لا تبادر فيروز بأى سؤال سوى واحداً.. ماما هتيجي امتى لترد اختها الصغيرة حياة وانا كمان عايزة ماما، نانسي كمال التى ذهبت الى حديقة الأزهر مع أصدقائها لم تكن تعرف أنه كان الصباح الأخير الذي تحتضن فيه ابنتيها وتحتويهما، وسيعقبه صباحات – لا يعلم عددها إلا الله- دون هذا الاحتواء.
فيروز وحياة لا تعلمان كيف يتم تعطيل أحكام القانون والدستور، ولا يثير اهتمامهما تيران وصنافير، لا تعلمان شيئا عن التظاهر وكيفية التحريض عليه، هما فقط تعلمان أن ماما اتسجنت .. مايحدث الآن يشعرهما بالظلم ويقتل الانتماء بهذا الوطن يوماً بعد يوم داخلهما، إن كان اليوم لنا فالغد لهم.

إيناس ابراهيم
جسدها النحيل كاد ينطق ليقول أن صاحبته بالكاد تأكل كى تبقى على قيد الحياة، تعمل إيناس ك(events planner) تعول بمفردها أبيها المريض ووالدتها المسنة، لم تطمع يوم التقت أصدقائها بعد شهرٍ طويل من العمل في شيئٍ سوى أن تأخذ قسطاً من الراحة معهم فى اليوم الرابع من العيد، ليتناولوا فطورهم بحديقة الأزهر، تبادل إيناس دائما زميلاتها نظرات الرضا والصبر، لم تمتعض يوما في السجن بل كل مايشغلها هو من سيهتم بأبيها وكيف تنقذ ما يمكن إنقاذه من مستقبلها وعملها الذي خسرته، وشركة تنظيم المؤتمرات التى اجتهدت على مدار سبع سنين من البحث والعمل والمشقة والإحباط والإصرار كى تأسسها، هو حلمها الأكبر ، تربت على أكتاف زميلات الزنزانة وتمنحهن بكل ما أوتيت من قوة ماتبقى من الأمل داخلها، لدى إيناس الكثير من الأحلام لم تتحقق بعد، بالرغم من كل شئ لازالت تلك الجميلة مؤمنة بأحلامها الصغيرة، ومتمسكة بها كطفل لايريد أن يترك حلوته، وتنتظر متى ستغادر تلك الجدران لترى مشروعها الوليد على أرض الواقع.

محمد محفوظ
“جدعنتك ورجولتك مكتوبة ع الحيطان”.. كتبها أحدهم مدوناً عن المعتقل محمد محفوظ الذي يقابل الجميع بحماس لا يفارق وجهه البشوش، حصل “محمد” على بكالوريوس نظم إدارية ومعلومات، قضى أمس بزنزانته عيد ميلاده الثالت والعشرين، من المفترض أن شاب فى عمره يحتفل الآن بعيد ميلاده وسط أهله وأصدقائه بدلاً من أن يقضي تلك الليلة منتظراً جلسة التجديد فى الصباح الباكر أمام نيابة زينهم، من المفترض أن شاب فى عمره على أعتاب الزاوج، يقضي شبابه مع رفيقة روحه وحلمه “خلود”، لا أن يفصل بينهما ألف جدار وجدار، خلود التي يتوارى شيئاً من الحسرة خلف نظراتها البريئة، تجمعها بمحمد صفات كثيرة، يشبهان بعضهما حد التطابق، تحكي خلود عن محمد كثيراً وتنتظر زيارته حتى تراه لتخرج منها سعيدة بتلك الدقائق المعدودة، وتلك الانتصارات الصغيرة.

مها مجدى
لاعبة كرة يد بنادى الزمالك، تربى أجيال جديدة وتعلمهم كرة اليد، تنشئ داخلهم الانتماء إلى القلعة البيضاء، تعول مها أسرتها وتجتهد كى تحقق ذاتها، كلما واجهت إخفاقات زاد إصرارها أكثر فأكثر ، تعرضت لنزيف حاد بالمعدة، وساءت حالتها الصحية، حتى قررت النيابة نقلها إلى المستشفى تحت الحراسة الأمنية المشددة.

إن السجن يقتات على أجساد ستة شباب وأرواحهم، ويقتل حب هذا الوطن فى نفوسهم، أنت مدان بهذا الحب اللعين حتى تثبت برائتك، أنت مدان دائما، مدان حتى إذا قررت أن تتنزه مع أصدقائك فى حديقة عامة!
#الحريةلمعتقلىالفسحة

شارك برأيك

شاهد أيضاً

#حازم_حسني يكتب: ويل للأمعاء الخاوية في #مصر

كنت لا أصدق ما قيل في عهد #مبارك أن الأمريكان عندما يريدون تكدير معتقل لديهم في #سجن#غوانتنامو يرسلونه إلى …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.