اخر الاخبار
الرئيسية / مساحة حرة / عمر طاهر يكتب: عماد وعمر

عمر طاهر يكتب: عماد وعمر

المصدر: الأهرام

مع نهاية الثمانينيات كانت التجارب الموسيقية كلها فى كوم، و وضع الشارع فى كوم آخر تجربتين بالذات، تعبران عن مشاعر الناس اليومية البسيطة، فعين عمر فتحى عمدة على منطقة الأفراح و عين عماد عبد الحليم عمدة على الأحزان، لا أحد يعرف كيف استقرت التقسيمة على هذا الشكل،

لكن بمرور الوقت كانت الناس العادية ملح الأرض تترك نفسها للبهجة مع عمر فتحى الذى أشتهر وقتها بأن هناك فتيات يتنازلن عن بعض طلباتهن عند الزواج مقابل أن يحى فتحى الفرح، أما عماد فقد صار رفيق أحزان الغربة (مهما خدتنى المدن)، أو أحزان سوء الحظ التى أشتهر بها المصريون (ليه حظى معاكى يا دنيا كدة).

وفى يوم استيقظ الشارع على أخبار تخص قطبى مشاعره، عماد عبد الحليم فى لندن يعالج كليته الوحيدة التى تأثرت بتبرعه بالأخرى لوالدته لينقذها من الموت، وعمر فتحى فى المستشفى يعانى من أزمة قلبية و قصور غير مطمئن فى الشريان التاجى، تمسك الناس بمحبة النجمين الشابين أكثر خوفا عليهما و هما الأقرب إلى ما يفهمه القلب ببساطة.

قبلها بسنوات كان عماد ابن الأسرة الإسكندرانية الفقيرة محظوظا بغنائه فى فرح الطبيب الخاص لعبد الحليم حافظ، عاد به حليم إلى القاهرة و قدمه للناس، قالوا إنه ابن علاقة غير شرعية وهو أمر لو كان صحيحا لأخفاه حليم عن الأنظار، وقالوا ان حليم تبناه لينافس هانى شاكر بدلا منه و هى حكاية بلا منطق فكيف لصبى مراهق أن ينافس مطربا شابا نجح بالفعل؟، سالت دموع حليم وهو يراقب من الكواليس تصفيق الناس لعماد، ثم تبناه ماديا ومعنويا وفنيا، كان يلزمه بحضور البروفات معه، تفتحت مشاعر الصبى على مثله الأعلى وهو يغنى تحت وطأة النزيف وجلطات الساق وتعب الأدوية، عرف الحزن مبكرا وكان مؤهلا له، يقول «ولدت وبداخلى حزن لا أعرف مصدره»، واكتملت الأحزان برحيل حليم، كان الصبى قد عرف النجاح، وبدون مرشد تخبط فى الطريق لكنه لم يتوقف.

فى المقابل كان عمر فتحى فى العراق بعد أن أنهى كلية الزراعة، قالوا له انهم يسلمون الوافدين فيلا و قطعة أرض ومعدات لاستصلاحها، كان وهما، دفعه للسفر إلى إيطاليا و منها إلى سويسرا وهولندا، ثم عاد وفى يوم وصوله قرأ إعلانا يطلب مطربين لاحدى الفرق، القى موالا دفع به إلى فرقة رضا، حقق نجاحا جعله شريكا فى تجربة فرقة المصريين مع هانى شنودة، ثم قرر أن يستقل، وبدأ رحلة جديدة من شارع الهرم، و لكن بشروطه.

كان عماد يتنقل بين نجاح سريع و فشل سريع، كان يقسو على نفسه كثيرا، وكان يواجه الفشل بروح تحد نادرة، فى لقاء تليفزيونى سألوه عن الشخصية التاريخية التى يود ـن يصبح مكانها، قال: طه حسين لأنه كان «قد التحدى»، قدم حفلا ناجحا كان بمثابة نقلة فنية و خرج منه ليجد الشرطة العسكرية فى انتظاره تلقى القبض عليه ليؤدى الخدمة، يغيب و يعود أقوى، يتم القبض على مجموعة فنانين بتهمة التعاطى، يظهر اسمه فى القضية، يُبرئه القضاء لكن الصحافة تصر على الإدانة، تطارده الديون لكنه ينتصر، تحتاج أمه لكلية فيتبرع لها، و فى كل مرة يعود ليلتقط أنفاسه ويصادق أحزانه بأن يغنى لها، أحبه الناس لأنه كان صادقا.

قال عمر لزملاء جيله، الحجار والحلو ومنير، سنغنى فى شارع الهرم لأنه النافذة الوحيدة المتاحة، لكن بلا «نقوط»، بلا أغان مبتذلة أو رقص شرقى، فغير هو وجيله شكل الشارع وتحول لفترة إلى مكان تقصده العائلات، طلب منه يوما أحد الاثرياء العرب أن يُحيى حفلا فى منزله، هناك كانت الأجواء مبتذلة، فانصرف عمر دون أن يغنى، كتبت الصحافة عن جرأته، أعجب بها محمود يس فتبنى موهبته وأنتج له فيلما ناجحا، فى وسط النجاح تقدمت فتاة ببلاغ تتهم عمر بالاعتداء عليها، كان عمر يراها للمرة الأولى فى حياته، واتضح أنها معجبة مجنونة به، انتهى الأمر بسلام، لكن « الخضة» جعلت عمر يصاب بشلل فى العصب الحائر، دخل المستشفى، وهناك قالوا له ان حالة قلبه ليست بخير، كانت تهاجمه النوبات فيدخل المستشفى، يتعافى قليلا ثم يهرب فى منتصف الليل ليغنى، كان يحب الحياة وكان هذا الحب يحتل حنجرته فلم يخرج منها سوى البهجة.

كان عماد يؤمن بأن الصحافة تحاربه بالخوض فى حياته الشخصية، فى المقابل كان عمر غير مهتم بتجاهل الصحافة وقال: الصحافة هتكتب عنى لما أموت، قال أنيس منصور عن عمر: كان مرحه معديا و لم نكن نعتقد و نحن نراه بهذه الحيوية إنه كان عليل القلب، أما عماد فقد قال إنه لا يقرأ إلا لأنيس منصور، وكانت مشكلته أنه غزيز الإنتاج، قال: للأستاذ أنيس 120 كتابا فى متوسط ثلاثة جنيهات، بما يعنى أن الواحد سيدفع 360 جنيها ثمنا لمزاجه هذا، لكن على أى حال هذا أرخص كثيرا من بعض الأمزجة الأخرى.

أثناء وجود أحد الأصدقاء فى بيت عمر لاحظ أنه يراقب «الشغالة» من بعيد، ثم قام فجأة وفتش كيس القمامة الذى كانت تحمله فى طريقها للانصراف، ثم وجد بداخله بعض أشيائه الثمينة، انفعل عمر بشدة وهو يسألها إن كان قد قصر معها يوما، كان يفتش عن سبب للغدر، لكنه سقط قبل أن يجده، لم يتحمل قلبه الإنفعال، عند وصول الطبيب كان قد فارق الحياة، كان حظه أوفر من عماد، فقد عثروا على الأخير جثة هامدة فى أحد الشوارع الجانبية بالقرب من منزله، ولم يعرف أحد حقيقة ما حدث، استكملت الصحافة مسيرتها مع عماد حتى بعد وفاته وفسرت الوفاة بالمخدرات، سأله صحفى ذات يوم عن الإدمان فقال: أنا مش لاقى آكل علشان أدمن، كان عند وفاته مطاردا بعدد قليل من الشيكات بدون رصيد، وعدد أكبر من علامات التعجب من شخص تطابقت حياته مع أغنياته إلى هذا الحد.

عاش الشارع المصرى فترة طويلة وهو يتسند على جدارين صادقين، واحد فى أفراحه والآخر فى أحزانه، كان عمرهما قصيرا و انقض مبكرا، لكن وللعجب ما إن تظهر فى الأجواء صدفة أغنية واحدة لهما حتى ينتصبا الجداران فجأة، بالقوة نفسها التى كانا عليها قبل ثلاثين عاما.

شارك برأيك

شاهد أيضاً

عمرو الشوبكي يكتب: مصر وإسرائيل

تغيرت العلاقة بين مصر وإسرائيل من حالة الحرب والمواجهة إلى عصر السلام البارد، وتأكد للكثيرين …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.