اخر الاخبار
الرئيسية / مساحة حرة / محمد نور فرحات يكتب: العبث بالدستور باسم الدستور!

محمد نور فرحات يكتب: العبث بالدستور باسم الدستور!

المصدر: المصري اليوم

فى عام ١٧٤٨ نشر الفيلسوف الفرنسى مونتسكيو كتابه عن روح القوانين De lesprit des lois. الإسهام الفكرى لهذا الكتاب تمثل فى شقين: ترسيخه لمبدأ الفصل بين السلطات كضمان أساسى لمنع الاستبداد برقابة كل سلطة على الأخرى، ثم الربط بين النظام السياسى لمجتمع ما وبين ظروفه البيئية.

روح القوانين هى الأهداف التى تسعى إليها ومقاصدها الجوهرية. فإذا أسفر تطبيق القانون عن نتائج معاكسة لروحه عم الفساد وانزلقت المجتمعات نحو التدهور. يقول فقهاء المسلمين: كل تصرف تقاعس عن تحقيق مقصوده فهو باطل.

روح دستور ٢٠١٤ تتمثل فى توازن السلطات الثلاث وعدم تغول السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية. إنه انقطاع تاريخى عن مبادئ دستور ١٩٧١ الذى هو الوريث الشرعى لدستور ١٩٥٦ حيث كان مركز الثقل فيه لرئيس الجمهورية فى نظام للحكم أشبه بالنظام الإمبراطورى. دستور ٢٠١٤ هو دستور الثورة إذ وضع ضمانات لحماية الحريات ومنع الاستبداد سواء اتفق البعض معه أو اختلفوا.

بدأت سهام النقد تتوجه نحو دستور ٢٠١٤ قبل أن يجف مداده. فى مارس عام ٢٠١٥ صرح رئيس الجمهورية «بأن الدستور كتب بنيات حسنة والدول لا تبنى بالنيات الحسنة فقط». هذا التصريح كان يشير إلى المواد ١٨ و١٩ و٢١ التى تخصص نسبة معينة من الناتج القومى فى الموازنة للإنفاق على التعليم والصحة والبحث العلمى. الدولة تشعر بضيق ذات اليد فى الإنفاق على تعليم الشعب وخدماته الصحية وتطوير البحث العلمى فيه،

فى حين تقترض المليارات لإقامة مشروعات إنشائية عملاقة لم يستشر فيها أحد. فقه الأولويات أيضا من دعائم الحكم الرشيد.

حقيقة أن دستور ٢٠١٤ قد كتب بنيات حسنة، وحقيقة أن الدول لا تبنى بالنيات الحسنة وحدها، ولكن هل كان يفترض فى الدستور أن يكتب بنيات سيئة؟ وعلى كلٍ فهذه النيات الحسنة قد أصبحت نصوصا دستورية ملزمة. واستفتى الشعب عليها وأقرها بأغلبية كاسحة. إنها عقد بين الشعب صاحب السيادة وحكامه. الخروج على الدستور أو تعديله لأغراض شخصية يفقد النظام مشروعيته. هكذا يجرى الأمر فى الدول الديمقراطية.

تخرج علينا اليوم أبواق النظام المأجورة لتصادر حق أصحاب الرأى فى رصد المخالفات الدستورية. وينبرى فقهاء الاستبداد لمحاولة إضفاء شرعية زائفة عليها. وتعود بنا الذاكرة إلى حواراتنا المضنية مع فقهاء السادات ومبارك والإخوان. لكل عصر أبواقه الذين يحفرون الهاوية تحت أقدامه. ولكن الشعوب تلعن الذين يقتاتون بتأجير فكرهم لحاملى أكياس الدنانير.

لا يمكن الصمت على استمراء مخالفة الدستور بالزعم أن الفيصل هو قضاء المحكمة الدستورية. نعم هى صاحبة القول الفصل ولكن الطريق إلى أحكامها يستغرق سنوات. وإنذار قومنا بكلمة الحق واجب علينا مهما علا عواء الذئاب فى الفيافى.

بعد التصريح الرئاسى عن (الدستور حسن النية) تراجعت التصريحات الرسمية لتقول إن الوقت غير ملائم للتعديل. بدا الأمر كما لو كان محاولة لجس النبض. ولكن من الناحية العملية أصبحت مخالفة الدستور أمرا لا يتحرج منه أحد.

وعاد اليوم الحديث عن تعديل الدستور عندما اقتربت مدة الرئاسة الأولى على الانتهاء. ومثلما خرجت علينا سيدات مجلس الشعب أيام السادات باقتراح تعديل المادة ٧٧ من الدستور لإطلاق مدد الرئاسة بدلا من كونها مدتين، وتحقق ذلك بتزوير الاستفتاء، عادت مرة ثانية دعوات رجال النظام فى البرلمان وفى الإعلام إلى تعديل دستور ٢٠١٤ لتمديد مدة الرئاسة إلى ست سنوات مع تعديل بعض المواد الأخرى بما يعيد سطوة السلطة التنفيذية على باقى السلطات وبما يسلب روح الدستور. وكأنه ما قامت فى مصر ثورة ضد الحكم الفردى.

حقيقة أنه منذ بدأ تطبيق الدستور جرى التخطيط المحكم لإجهاض روحه والعودة للحكم الفردى. وبترتيبات أمنية ماكرة تشكل لدينا برلمان ينعم أعضاؤه بالمزايا والحصانات مقابل دعمهم السلطة التنفيذية والموافقة على ما يملى عليهم، متخلين طواعية عن واجبهم الدستورى.

واليوم وقد اقتربت فترة الرئاسة الأولى على الانتهاء، لم تعد الترتيبات الأمنية لإفراغ الدستور من محتواه كافية.

أسفرت الولاية الأولى عن ارتفاع غير مسبوق فى الدين الخارجى والداخلى وعن معدل غير مسبوق للتضخم يئن تحت وطأته الفقراء والطبقة الوسطى. الحكومة عازفة عن الإنفاق على مشروعات تلبية حاجات شعبها ورعايته. ويلقى العشرات من المصريين مصرعهم كل يوم فى حوادث قطارات متهالكة.. ويعلن وزير النقل أن الحكومة عاجزة عن الإنفاق على تحديث السكك الحديدية بما يحفظ حياة ركابها! فى الوقت الذى تقترض فيه الحكومة ببذخ للإنفاق على العاصمة الإدارية ومد القطارات المكهربة إليها وإنشاء مدينة ديزنى لاند ومدينة العلمين الجديدة ومد شبكات الطرق الفاخرة لمنتجعات الصفوة. الانحيازات الاجتماعية واضحة تماما.

لم تعد الترتيبات الأمنية لإجهاض الدستور إذن كافية فلابد من تعديله لتتخلى النصوص عن حسن نيتها وتواكب الواقع المؤلم.

رئيس البرلمان يصرح بأن الدساتير التى توضع فى مرحلة عدم الاستقرار لابد أن تعدل عندما يتحقق الاستقرار. رئيس البرلمان كان أحد المشاركين فى وضع الدستور غير المستقر. هذه تنويعات جديدة على نغمات النائبتين الراحلتين فايدة كامل ونوال عامر التى عزفت فى السبعينيات. الأصح أن رئيس البرلمان يريد أن يخبرنا: أن الدستور الذى يوضع بعد الثورة يجب تعديله بعد إجهاض الثورة.

العقبة الكؤود فى سبيل ذلك أن المادة ٢٢٦ من الدستور تحظر تعديل المواد المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية. مدة ولاية رئيس الجمهورية وفقا للمادة (١٤٠) أربع سنوات. النية متجهة إلى تفسير عبارة (إعادة انتخاب) بحظر تعديل عدد دورات الولاية دون أن يمتد الحظر إلى إطالة مدة كل ولاية. أى أنه قد يحكم المصريون رئيس لفترة ولاية واحدة تمتد عمر نوح. وهذا لعمرى عبث ما بعده عبث بالدستور وتحايل مكشوف عليه يزدرى ذكاء الشعب.

السؤال الحرج: ماذا لو جاءت نتيجة الاستفتاء على التعديل بالرفض؟. ألا يضع ذلك الرئاسة فى مهب الريح؟. إنهم يستبعدون ذلك لثقتهم فى مهارة أجهزتنا فى صناعة الإجماع الزائف. ولكن فاتهم أن مصر تغيرت. وفاتهم أن المادة ١٥٧ من الدستور ذاته تحظر استفتاء الشعب على ما يخالف الدستور. وفاتهم أن القرار الرئاسى المرتقب بالدعوة لاستفتاء الشعب على تعديل مواد فى الدستور هو قرار إدارى قابل للطعن فيه لمخالفته الدستور. ويبدو أن برلماننا قد تملكته هواية دفع السلطات نحو التصادم، وامتهان أحكام القضاء، كما حدث فى تجاهله حكم بطلان معاهدة الجزيرتين، وتجاهله تقرير محكمة النقض ببطلان العضوية. لقد أصبح برلماننا خطرا على الأمن القومى.

هناك مأثورة فى الفقه الإنجليزى أن (البرلمان يستطيع أن يفعل كل شىء إلا أن يجعل من المرأة رجلا) ويبدو أن البرلمان عندنا يمكنه تجاوز هذا القيد البيولوجى. ولكن سيكون للشعب الكلمة الأخيرة إن لم يرتفع صوت العقل. فلنتوقف عن السير حثيثا إلى حافة الهاوية. فما أطال القهر عمرا ولا قصر فى الأعمار الوفاء للدستور.

شارك برأيك

شاهد أيضاً

عمرو الشوبكي يكتب: مصر وإسرائيل

تغيرت العلاقة بين مصر وإسرائيل من حالة الحرب والمواجهة إلى عصر السلام البارد، وتأكد للكثيرين …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.