اخر الاخبار
الرئيسية / تحقيقات / رائد سلامة: السياسات الاقتصادية الحالية بائسة.. ومصر غنية لكن مواردها مُهدرة

رائد سلامة: السياسات الاقتصادية الحالية بائسة.. ومصر غنية لكن مواردها مُهدرة

حوار- هاجر رضا:

في الآونة الأخيرة أصدرت الحكومة الحالية برئاسة المهندس شريف إسماعيل، العديد من القرارت الاقتصادية التي من المُقرر لها حسب ما قيل أنّها تصُب في مصلحة المواطن المصري، ولكن النتيجة التي أسفرت عنها القرارات هذه زيادة الحمل على كاهل المواطن، وهذا ما أكده لنّا رائد سلامة، الباحث الاقتصادي وعضو المجلس الاستشاري لحزب التحالف الشعبي الاشتراكي، أثناء حواره لـ”بوابة يناير”.

= ما رأيك في السياسات الاقتصادية الحالية؟
السياسات الاقتصادية ليست سوى امتداد منخفض المستوى لسياسات “مبارك” من ناحية الانحيازات الاجتماعية، ومن ناحية استخدام نفس الأساليب القديمة التي تفتح أبواب الفساد علي مصراعيها، و لا تحقق أية رفاهة كانت الحاجة إليها سبباً في قيام ثورة يناير ٢٠١١.
ولكن ربما تميّزت سياسات “مبارك” الاقتصادية بأنَّ القائمين عليها رغم فسادهم كانوا أكثر حرفية من القائمين على السياسات الاقتصادية حاليًا، أخذًا في الاعتبار أن “مبارك” شخصية كانت لديه حساسية تجاه الاقتراض من صندوق النقد، و كان يسميه صندوق “النكد” بسبب أنه في أوائل التسعينات و قبل نشوب حرب تحرير الكويت كانت ديون مصر الخارجية قد بلغت نحو ٥٠ مليار دولار، نتيجة للسياسات التي فرضها الصندوق عليه و انقذه منها نشوب الحرب، لأن الخليجيون أسقطوا نصف الديون بسبب مشاركة مصر بالحرب.

هل السياسيات الاقتصادية التي تسلكها الدولة سبب فما وصلنا له؟

المشكلة في الاستراتيجيات المالية والإقتصادية الآن، ولا أقول السياسات لأنَّ السياسات أكثر تفصيلاً من الاستراتيجيات أنها لا تعتمد نموذج التنمية المتمحورة على الذات لأجل الوصول إلي الاستقلال الوطني من خلال تحقيق الإكتفاء الذاتي من السلع و الغذاء، فإذا تم وضع استراتيجيات لتحقيق تلك الأهداف فإنه يتم بعد ذلك وضع السياسات اللازمة لهيكلة خطط تنفيذية من أجل الوصول للأهداف التي وضعتها الإستراتيجيات، لأنّ الاستراتيجيات الحالية نتج عنها سياسات مالية و اقتصادية بائسة زادت من عمق جرح الإقتصاد المصري، بأن جعلته حساسًا بشكل أكثر للعوامل الخارجية، حيث زادت من ارتباطه بالاقتصاد العالمي كتابع يتأثر فقط لا كمُبادر يؤثر من خلال التخطيط الجاد لتغيير نمط الاقتصاد الوطني من ريعي -استهلاكي الي إنتاجي- تنموي يعتمد الإنتاج اسلوبًا ومسارًا لتحقيق الاكتفاء الذاتي ثم التصدير للخارج لتوفير فائض القيمة.

= هل يُمكننا تخطي الأزمة الراهنة؟
بالتأكيد، يمكن تخطي الأزمة الراهنة فمصر ليست دولة فقيرة أبدًا و لكنها دولة تُساء إدارة مواردها فلم يحدث أن بُذلت الجهود المطلوبة لحُسن إدارة تلك الموارد لتعظيمها.

= كيف يُمكننا التغلب على الأزمنة الراهنة؟

دعينا نحلل الأزمة استراتيجيًا لثلاثة أوجه أساسية مترابطة لا يمكن أبداً الفصل بينها و التعامل علي حدى، فالفصل المتعمد هو سبب البلاء “وجه مالي وآخر اقتصادي وسياسي-اجتماعي”، فيما يتعلق بالوجه المالي يتلخص في ٣ بنود أساسية: ١-عجز كبير يتزايد بسبب فوائد القروض و قد تم تقديره للعام المالي الحالي بنحو ٣٧٠ مليار جنيه، و ٢-حجم ديون مهول تم تقديره بنحو ٣ تريليون و ٩٠٠ مليار،٣-استيراد سفيه يستنزف كل الأموال بالعملة الأجنبية التي تأتي سواء في شكل معونات أو إقتراض من الخارج “باعتبار أن الوضع السياحي بائس جدًا” بما يضعف مركز احتياطي النقد الأجنبي لأبعد درجة، فالفائض الحقيقي لا يزيد بأية حال عن ١٥ مليار دولار فقط، أما الوجه الاقتصادي فهو يتعلق بإدارة موارد الدولة وعدم القدرة علي تعظيمها بشكل حقيقي و الإرتكاز بالأساس علي الضرائب، لا علي فائض قيمة حقيقي يأتي من الإكتفاء الذاتي.

أما عن تخطي الأزمة، فبوضع خطط لتغيير نمط الاقتصاد من -استهلاكي لإنتاجي- تنموي تلعب فيه الدولة الدور الأكبر، لأن القطاع الخاص لن يسهم في التنمية، نتيجة لأن العوائد بالأساس هي اجتماعية تتعلق بتوزيع عادل للدخول و تؤتي ثمارها علي الأجل المتوسط-الطويل، وهي أمور لا يستطيع القطاع الخاص الصبر عليها، بالإضافة الوجه لغلق المناخ السياسي وسحق مؤسسات العمل المدني الوطنية التي تعمل بشفافية تحت بصر الحكومة، و ضرب عرض الحائط بأحكام القضاء كما حدث في قضية “تيران و صنافير” عندما قال رئيس السلطة التشريعية بأن الحكم لديه هو و العدم سواء، فكيف يأتيك مستثمر أجنبي يضع أمواله بالبلد و هو ليس لديه أي ضمانة لتنفيذ أحكام القضاء إن إختلف مع أجهزة الدولة.

فالخروج من الأزمة جائز و يمكن تحقيقه إن كان هناك إرادة سياسية لا تعتمد علي الجانب الأمني فقط في الحل، فمثلاً أزمة الدولار علي الأجل القصير يمكن أن تتحقق بسهولة إن عادت السياحة لسابق عهدها فدخل السياحة في ٢٠١٠وصل لـ١٣ مليار دولار في السنة، فهي صناعة متكاملة.

= ما مدى تأثير سياساتنا الدولية على اقتصادنا؟
من الواضح أن سياستنا الدولية الخارجية قائمة على التبعية لتابعي الأمريكان ووكلائهم الاقليميين، فتراجع الدور المصري من فاعل لمفعول به من قِبل ممالك الخليج الثرية وإهمال التوجه صوب إفريقيا لحل مشكلاتنا مع أشقائنا بالقارة السمراء كقضية مياه النيل مثلا بصورة تحفظ حقوق الجميع بشكل غير متعالي.
إفريقيا ينبغي أن تكون هي السوق الأساسي لمنتجاتنا حيث يمكننا المنافسة، ولكن يجب وضع الخطط للإنتاج والإكتفاء الذاتي أولًا ثم التصدير، وأن يكون لدينا مسارات متوازية في هذا الشأن مع ضرورة الإنفتاح علي دول “البريكس” التي تعاني كثيرًا في الوقت الحالي من مشكلات يمكننا مساعدتهم في حلها و النمو معًا.

= هل سياسات الإفقار مجدية؟
سياسات الإفقار لن تجدي، بل ستزيد من عمق الأزمة المجتمعية، فتتمثل في الإذعان لتعليمات صندوق النقد الذي قام منذ فترة بتغيير أسلوب عمله فلم يعد يعطي “روشته” كما كان الحال، لكنه صار يطلب من الحكومات أن توافيه ببرامجها الخاصة ثم يقوم هو بمراجعتها وفقًا لسياساته فإن جاءت مُتماشية معها منحنا قروضًا وهذا ما حدث بالضبط في نوفمبر الماضي حيث قامت الحكومة بتقديم برنامجها و تعهداتها للصندوق، والتي تمثلت في خطط تقشفية حادة، وكل الخطط تتماشي مع سياسات الصندوق، لكن الفارق الوحيد يكمن في ان حكومتنا هي التي قامت بها ثم اعتمدها البرلمان الذي اصرت إدارة الصندوق علي الحصول علي إعتماده لانه يمثل المجتمع لا السلطة التنفيذية و لو شكليا حتي يصير المجتمع نفسه مديناً و ليس الحكومة فقط، لأجل أن يسهل مطالبة المجتمع بالسداد إن ذهبت الحكومة التي أبرمت معه التعاقد.

= وماذا سوف يترتب على ذلك؟
هذه كارثة صارت مجتمعية الآن وستؤدي تلك السياسات لمشكلات إجتماعية حادة حين لا يستطيع الإنسان البسيط الفقير أن يعيش بشكل محترم، و ندها ستزداد معدلات الجريمة بكافة أنواعها و ستضعنا تلك السياسات علي فوهة بركان لا يعلم إلا الله حجم و عمق أثره.

= هل يمكن إنعاش الاقتصاد دون التأثير السلبي على المواطن؟
بالتأكيد يمكن ذلك، وهذا دور أجهزة الدولة لتحقيق الرفاه الواجبة للإنسان، وهو معيار الكفاءة، فخدمة الجموع الشعبية ينبغي أن تكون هي الحاكمة لعمل كل أجهزة الدولة دون تحميل المواطنين البسطاء الذين يشكلون غالبية الشعب أي فاتورة علوم و ممارسات الإقتصاد و السياسة و المالية لا داعي لها إن لم تكن في خدمة الناس، حيث أن فلسفة النظام الاقتصادي بالدولة ينبغي مراجعتها بشأن ضغط النفقات التي لا حاجة اليها ولاعائد من وراءها مع توزيع الأعباء علي المواطنين بالشكل الذي يتناسب مع دخولهم و يسمح لهم بحياة كريمة.
فمثلاً إن نظرنا للضرائب كوسيلة لزيادة الموارد و توزيع الأعباء فإنه ينبغي أن يتم فرض الجزء الأكبر منها أولاً علي الاغنياء الذين يستطيعون تحمل تلك الأعباء و هذا لم يحدث مؤخراً بمصر حيث لم يتم مثلاً فرض ضريبة علي الثروة أو علي العقارات غير المستغلة أو ضريبة تصاعدية علي دخول الأفراد بدلاً من ضريبة القيمة المضافة التي لم تفرق بين الغني و الفقير، وأدت لزيادة أسعار السلع والخدمات التي يستفيد منها الجميع بنفس الدرجة.

= ما تداعيات الدين العام الخارجي؟
الدين الخارجي هو أزمة ضخمة جدًا لا كرقم فقط، ولكن لأثره السياسي من حيث تأثير الدائن علي قرارات المدين السياسية خاصة في ظل رغبة لاعبين كثيرين للحصول علي دور سياسي إقليمي، حيث أنه حاليًا تعدي الـ70 مليار دولار أي ما يعادل تريليون و 250 مليار جنيه مصري تقريباً، و هي أرقام كبيرة وستزيد من عجز الموازنة فضلاً عن أنها تحمل الأجيال القادمة نتائج الإخفاقات الحالية. يتعين كما كان يقول استاذنا الدكتور جودة عبد الخالق أن يتم وضع سقف للدين العام لا ينبغي لاي سلطة تجاوزه إلا بالعودة إلي البرلمان لإعتماد إجمالي هذا السقف و ذلك للحد من الإقتراض غير المحسوب.

= هل التعاملات المصرية مع جذب الاستثمارات صحيحة؟
للأسف فإن الحكومة الحالية تسير علي نفس الخط القديم في جذب الإستثمارات، وهذه أمور شكلية لم تتناول الرؤية الاستراتيجية المتعلقة بخلق مناخ جاذب بالفعل للإستثمارات، فلن يأتي أي مستثمر جاد من الخارج أو حتي من الداخل للإستثمار طالما كان اسعر الفائدة علي هذا النحو من الإرتفاع، فمن الأفضل لأي مستثمر أن يضع أمواله بالبنك ليحصل علي عائد رأس المال أعلى بكثير من مثيله في حالة تشغيل حقيقي، وبالتالي فإن غياب الرؤية العامة استراتيجيًا هو أساس المشكلة.

شارك برأيك

شاهد أيضاً

ناجي الشهابي رئيس حزب الجيل: مفيش أحزاب في مصر .. وسد النهضة قصة فشل مصرية .. والسيسي تنازل عن تيران وصنافير لهذا السبب

حوار: شريف عاطف سليمان:- استنكر ناجي الشهابي، رئيس حزب الجيل، الأوضاع السائدة في الشارع السياسي، …

2 تعليقان

  1. حلمي شعراوي

    اضافة هامة متوقعة من د. رائد سلامة اقدرها اكثر بسبب انه يشاركن هذه المرة اهماماتي الافريقية وكشف اوهام الدولة المسماة التننموية بديلة لدول التحرر الوطني التنموية الاستقلالية ناهيك عن الديمقراطية
    وتساهم مقابلة رايد في كشف الاندماجية في الراسمالية العالمية بادعاءات ارقام معدل النمو العالي وسط شعوب بائسة مثل اثيوبيا او جنوب افريقيا….ويلفت د.رائد النظر لامكانات بذوغ محاولات جادة في كتلة بريكس لبناء كتلة الجنوب الاستقلالية ولو نسبيا عن كتلة دافوس الوحشية….وللاسف تتسارع خطي مصر في قنوات الندماج الامبريالي وليس الاستقلالية …
    شكرا د. رائد

  2. كشف د.رائد بشكل فلسفي عميق الفرق بين دولة وطنية تنموية ..ناهيك عن ديمقراطية وبين دول مندمجة في لنظام راسمالي امبريالي…فالوطني صاحب الاستراجية التنموية يبني الاستقلالي بتسارع حقيقي ويشارك في تكوين كتل جنوبية اقليمية اوعالمية ذات وززن لحفظ التوازن الدولي نفسه و لجم العولمة المتوشة…. وعندي مثال دول التحرر الوطني وكانت في مقدمتها مصر لكن الان..باستثناءات متل الصين في راي سمير امين او يضيف روسيا احيانا مما يسميها دولا بازغة من جديد وتساعد المثال بدع بريكس فان الدول المسماه تنموية فقط بدون الاستقلالية او الدىمقراطية وهي من يفاخرون بها في افريقيا مثل اثيوبيا او غانا او حتي جنوب افريقيا ذات 8-10 %معدل نمو ..تعيش جماهيرها حالة بائسة مم يصفه هنا د.رائد سلامة سلامة raied salama لان الراسمالية العالمية المعولمة هي التي تبتلع ألفائض والصول مثل فترة الاستعمار الاولي وليس حتي الاستعمار الجديد التي باتت الدراسات الافريقية تعتبره استعمارا رحيما…..
    امشكلة في مصر مما وصفة رايد اننا نندمج في السق الامبريالي بخطي متسارعة مع ادعاءات فجة دون البناء مع افريقيا مثلا او بريكس لجعل كتلة الجنوب ذات ثقل ولو ببطء ييمح لجماهيرنا بتدرج الرفاه بخطط تنمويةة وطنية وديمقراطية اجتماعية ايضا…وانا سعيد بكسب رائد للثقافة الاقتصادية الافريقية التي ارجوه ان يتابع فيها التصاعد رغم المشاكل لبناء منافس لدافوس بصندوق مائة مليار دولار لمواجهة صندوق النقد الدولى قريبا….وتحيتي الدائمة لمساهمات د. رائد

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.