اخر الاخبار
الرئيسية / مقالات / السفير معصوم مرزوق يكتب : فوبيا الإخصاء والإقصاء !

السفير معصوم مرزوق يكتب : فوبيا الإخصاء والإقصاء !

 

ربما تبدو اللغة غير مألوفة ، وغير دبلوماسية خاصة لمن أفني جل حياته في العمل الدبلوماسي ، ولكنها تبدو اللغة الوحيدة التي قد يمكن من خلالها إحداث صدمة الإفاقة كي نخرج من صدمة الغيبوبة ! ..
كيف يمكن تفسير الدعوة لنشر ” فوبيا ” الخوف من سقوط الدولة سوى بأنها محاولة ممنهجة لمواصلة عملية إخصاء العقل والوجدان المصري ، فإذا كانت مهمة ” الخصيان ” في الأزمنة الماضية هي حماية شرف أصحاب القصور ، فأنه يبدو أن الهدف من محاولة إخصاء العقل المصري حالياً هو حماية دولة الفساد والمحاسيب ، وليس حماية الدولة من السقوط .

ولعلها المرة الأولي في تاريخ البشرية التي يطلب فيها رئيس بشكل علني أن يتم تخويف شعبه ، وكأنه لم يكتف بالحملة الإعلامية التي تخوف الناس من مصير ” سوريا ” و “العراق ” ، أو الحملة الأمنية التي تجد نفس المبرر ، دون أن يشرح لنا أحد كيف وصلت سوريا أو العراق أو ليبيا واليمن إلى هذه الحالة ، فهل كان توفر الحرية وحقوق الإنسان وتداول السلطة والديمقراطية هي أسباب تلك الحالة ، أم أن السبب المباشر فيها لم يكن سوي الإستبداد والفساد والدولة البوليسية القمعية .. لماذا يتم التحذير من مصير سوريا والعراق ، لماذا لا تكون مصر مثل فرنسا وسويسرا أو حتي ماليزيا وسنغافورة ؟! ..

عندما يسود الصمت والسكون حيال إنتهاك الكيان الصهيوني لمقدسات القدس ، ويتفرج المجتمع كله علي حصار الغلابة في جزيرة الوراق ، أو يكتفي بمصمصة الشفاه وهو يتابع الزج بالألاف خلف القضبان ، فأن ذلك يعني حالة من إخصاء العقل والوجدان تمارسه سلطة فاسدة وإعلام فاسد ..

أن الحالة تبدو أكثر من مجرد إخصاء للرجولة ، وإنما أيضاً إخصاء للمروءة والشهامة والقيم والتاريخ ، ولا يساورنا   أي شك في أن ذلك هو السبب الحقيقي وراء المطالبة بنشر فوبيا الخوف من سقوط الدولة ، بأساليب لا تختلف كثيراً عن أساليب كل الأنظمة الإستبدادية التي عرفها التاريخ ، من خلال نشر الفزع والرعب .. الخلاف الوحيد هو أن السلطة ممثلة في رئيسها هي التي تطالب بذلك علناً دون مواراة ، بينما كانت ممارسات السلطات الإستبدادية تتظاهر ببث الثقة والفخر بين المواطنين دون الإعتراف بتلك الأساليب التي توقع بها الرعب في قلوبهم ، فقد كان هتلر يحاول في خطاباته نشر الثقة بل والغرور في نفوس مواطنيه ، رغم كل ممارسات الجستابو الوحشية ..

وبمراجعة كل ما حدث حتي الآن في قضية تيران وصنافير يتبين لنا بجلاء أننا لم نعد في دولة قانون ، بل أن البرلمان نفسه لم يحاول أن يتجمل ولو بورقة توت من خلال إطالة المناقشات لبضعة أيام لإثبات جديته في مناقشة قضية علي هذا القدر من الأهمية ، فقد هتف السيد عبد العال بعد ثلاثة أيام فقط ” موافقة ” ، وانتهي الأمر ، وبغض النظر عن شرعية كل ما حدث من الزاوية الدستورية أو القانونية أو حتي القضائية ..

تلك الحالة الحادة من ” الإخصاء ” لا تعني فقط ” إجهاض ” العدالة ، وإنما هي تعني بلا أدني شك ” إنكار ” العدالة ..

ولكي تنجح عملية إخصاء المجتمع ، كان لا بد من إستخدام آداة الإستعمار القديمة ” فرق تسد ” ، وهي نفس آداة كل سلطة إستبدادية ، وهي ضرورية لتخدير المجتمع من خلال إقصاء وشيطنة بعض جماعاته وضرب كل واحدة بالأخري ، وهكذا يتضح أن محاولة زرع “الفوبيا ” هي إستمرار لتكريس سياسات الإقصاء والإخصاء وزرع الكراهية وتغذية الإحتقان السياسي والطائفي والديني .

وتبدو تجليات الفوبيا في مظاهر متعددة ، فهي فوبيا من المستقبل ( تغلق فضاء الأمل وخاصة أمام الشباب ) ، وهي فوبيا من إنهيار الدولة ( لضمان سكون وسكوت الطبقة المتوسطة ) ، وهي فوبيا الخوف من الآخر ( لضمان البقاء في السلطة علي جماجم الفصائل المتناحرة ) ، وهي فوبيا من مجرد ممارسة السياسة ( لأنها في نظرهم رجس من عمل الشيطان وتفتح الباب لشرور الرأي والرأي الآخر ) ، وهي فوبيا من المعارضين والوطنيين ( لأنهم يهددون عرش السلطان المقدس ) .. إلخ

وهكذا لا يبقي سوي سيناريوهات ثلاث لإحتمالات المستقبل القريب ، لا رابع لها : إما الفوضى العارمة والإنزلاق إلي حرب أهلية نتيجة لإنسداد كل أفق للحوار ..
وإما توحد القوي الوطنية الفاعلة ونجاحها في التواصل الجماهيري توطئة لإستعادة السلطة إلي الشعب ..
وإما إستمرار حكم الحديد والنار وسياسات الإخصاء والإقصاء ..

لكل ما تقدم ، فأن أهم مقتربات الخروج من المأزق التاريخي يتركز في أهمية وحدة الجماعة الوطنية وقناعتها بأن تلك الوحدة هي سر قوتها ، مع ضرورة الإعتراف بأن الجميع قد وقعوا في أخطاء ، وأن الإنقسام قد فتح ثغرة أتاحت لقوي الإستبداد والفساد أن تنقض علي ثورة 25 يناير ، وأن الخطر الذي يهدد مصر هو خطر وجودي ، فالصراع ليس بين قوي سياسية تسعي إلي السلطة ، وإنما أصبح ” الوطن ” نفسه محلاً للصراع والمزايدة ..

لذلك ينبغي أن يصطف كل الوطنيين المخلصين تحت رايات ثورة يناير مرة أخري ، من أجل بناء الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة بلا إحتكار من أحد ولا إقصاء لأحد ، وفي مواجهة سياسة الفوبيا وزرع الخوف واليأس ، علينا أن ندعم سياسة الثقة بالنفس والشجاعة والمروءة ، وزرع الحب والأمل ، وفي مواجهة سياسة ” الإخصاء ” علينا واجب ” إخصاب ” الوعي الشعبي من خلال عمل جماهيري فعال ومقنع وبدائل حقيقية للتحديات الحالية .. وفي كل الأحوال يجب أن نواجه في نفس الوقت سياسات ” الإقصاء ” بشجاعة تتحلي بالتسامح ، وأن نمد أيادينا وعقولنا ومشاعرنا إلي كل أبناء الوطن ، في إطار محددات الدستور والقانون .

أننا عندما نطالب اليوم بإسقاط السلطة الفاسدة ، فإنما ذلك يعني تثبيت دولة العدل ، تماماً مثلماً يكون شرعياً أن تطالب الجماهير بإسقاط رئيس فاشل لحماية مصير الأمة ، والمشكلة أن سلطة الفساد والمحاسيب تحاول خداع الناس بأن تلصق مفهوم ” السلطة التنفيذية ” بمفهوم ” الدولة ” ، رغم أن الدولة عبارة عن إقليم وشعب وسلطة تتكون من سلطات ثلاث ( تنفيذية وتشريعية وقضائية ) أي أن السلطة التنفيذية تمثل سدس الدولة بل أنها أقل مكونات الدولة ، فلا يمكن أن تقارن نفسها بالإقليم مثلاً ، أو بالشعب مصدر كل السلطات ، أو حتي بالسلطة التشريعية أو القضائية .. المصيبة وصلت إلي الإدعاء بأن إسقاط السلطة يعني إسقاط الدولة ، بل وقصر تلك السلطة في شخصية ” الرئيس ” ، أي أن الرئيس في نظر هذه الدعوى هو ” الدولة ” .. والطريف أنه نفس الرئيس / السلطة / السلطات / الدولة الذي يطالب بتخويف الناس عن طريق فوبيا الإخصاء والإقصاء ! .

شارك برأيك

شاهد أيضاً

مروة مغربي تكتب: هؤلاء هم معتقلو الفسحة

فى التاسع والعشرين من مايو الماضى، قررت نيابة حوادث جنوب القاهرة القبض على شابين وأربعة …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.