اخر الاخبار
الرئيسية / مساحة حرة / يحيى قلاش يكتب: انتصار العاشر من يونيو فى نقابة الصحفيين.. يوم هزيمة أكبر محاولة لإدخال المهنة إلى بيت الطاعة

يحيى قلاش يكتب: انتصار العاشر من يونيو فى نقابة الصحفيين.. يوم هزيمة أكبر محاولة لإدخال المهنة إلى بيت الطاعة

نقلا عن: المصري اليوم

أيام مجيدة ومعارك كبرى سطرها وخاضها الصحفيون، إدراكا منهم بأن حرية الصحافة إحدى الحريات العامة، وحق أصيل لكل مواطن، لذلك لم يكن غريبا أن تنطلق أول مظاهرة شعبية من وسط القاهرة فى ٣١ مارس عام ١٩٠٩ شارك فيها٣٠ ألف مواطن ترفض القيود على الصحافة، فالشعب تولى حماية الصحافة قبل إنشاء النقابة رسميا فى ٣١ مارس ١٩٤١ بعد محاولات استمرت ٥٠ عاما. ولأن التاريخ والذاكرة جزء أصيل من حاضر ومستقبل أى أمة حية، لذلك تتوقف الشعوب والجماعات عند معاركها الملهمة.

وعندما يهل علينا شهر يونيو نتذكر إحدى هذه المعارك، خاصة ونحن نتابع الآن كل ما يجرى حولنا من تطورات متسارعة تمس الصحافة، التى سطرت ملاحم من معارك الوطن ونهضته، ومحاولات أخذها الآن إلى بيت الطاعة، وفرض الصمت علينا. ففى العاشر من يونيو ١٩٩٥ اجتمعت الجمعية العمومية للصحفيين لترفض القانون 93 الذى خرج بليل من مجلس الشعب، وأطلق عليه «قانون حماية الفساد» وتضامنت معنا قوى ومؤسسات شعبية لإسقاط قانون أقره البرلمان فى سابقة مهمة، بعدما استدعت اللجنة الدستورية والتشريعية لمجلس الشعب أعضاءها بشكل عاجل يوم 27 مايو 1995 ودون إخطارهم بطبيعة الأمر، واعتبرت د. فوزية عبدالستار، رئيسة اللجنة، المشروع بالغ الأهمية، وأنه يستهدف الحفاظ على حقوق وحريات الأفراد، وبصفة خاصة حقهم فى رد الشرف والاعتبار، وحماية حرمة الحياة الخاصة، وأوضحت أن المشروع يتسم بعدة سمات، مثل إدخال أفعال غير مؤثمة إلى دائرة التجريم، وتشديد العقوبات وإلغاء الحبس الاحتياطى للصحفيين باعتباره تمييزا لهم!

وانبرى كمال الشاذلى ليقول إن المعروض أمامنا هو تشديد لبعض العقوبات، وإنه لا بد من وضع الحدود بين الحرية والتعدى باسمها، لأن الرايات العالية التى تحملها الحرية- على حد تعبيره- لا يصح أن تتحول إلى معاول للهدم، أو ازدراء لمؤسسات الدولة! وواصل أحمد أبوزيد، زعيم الأغلبية، مؤكدا أنه مع الحرية، لكنه ضد إساءة استخدامها، وأن هذا القانون يحمى الأغلبية من الصحفيين الشرفاء، ويحمى الصحافة الحرة النزيهة! واعتبر النائب شوقى عامر إقرار هذا القانون وساما على صدر المجلس!

وعلى نهجهم سار نواب التصفيق والتعليمات، خاصة أن عينهم كانت على دعم الحزب الوطنى الحاكم وأجهزة الدولة، فى الانتخابات البرلمانية التى كانت على مسافة شهور قليلة، بعد أن اختتمت هذه الدورة أعمالها بهذه الجريمة، لكن هذا لم يمنع عددا من النواب أصحاب الضمير الوطنى من التصدى لهذه المهزلة، فى مقدمتهم النائب فكرى الجزار الذى كشف كيف تمت دعوتهم على عجل، لإقرار مشروع لم يعلموا عنه شيئا، ولم يطلعوا على أى من بنوده، ووصفه بالكارثة، وأنه يصدر للانتقام من بعض الصحف والأقلام التى تحارب الفساد، وقال: «إننى لا أطمئن إلى قانون يضاف إلى ترسانة القوانين سيئة السمعة، وإننى أرجو أن نختم حياتنا البرلمانية، وقد لا نعود إلى هذه القاعة مرة أخرى بكلمة حق نعبد بها الله»، وقال النائب أحمد طه إن هذا القانون المعروض هو تضييق لا يمكن أن يكون لصالح حرية الرأى، أو لصالح الشعب أو المستقبل ولا أوافق عليه، ووصف كمال خالد المشروع بأنه أبشع وأسوأ قانون عرض على البرلمان، لأنه قمع وإرهاب لكل صاحب قلم، سواء كان مؤيدا أو معارضا، وتساءل نائب التجمع لطفى وأكد: ما السبب المباشر الذى أدى إلى سقوط هذا القانون على هذا المجلس بالبراشوت، وقال إنه لغم يوضع فى جسد هذا النظام، ولهذا فإننى باسمى وباسم الهيئة البرلمانية لحزب التجمع نرفضه. لكن خلال ساعات تم تمرير القانون ووقعه رئيس الجمهورية فى الليلة نفسها 27 مايو 1995 ونشر فى الجريدة الرسمية يوم 28 مايو تحت رقم 93 لسنة 1995.

انفجر الموقف، وكانت نذرا كثيرة قبل إصدار القانون تؤكد التربص بهامش الحرية المحدود، وأن صدر الحاكم قد ضاق، ومن منح قرر أن يمنع، ومن أعطاك بالسماحة يأخذه منك بالغضب، فانفلت زكى بدر، وزير الداخلية، فى كل مكان يهاجم الصحفيين ويسبهم، وتمت إحالة الصحفيين إلى المحاكمات العسكرية، وتوالت قرارات حظر النشر فى قضايا الفساد، وتجاهلت النيابة تطبيق الحصانة ضد الحبس الاحتياطى فى قضايا النشر، وتحمل مجلس النقابة مسؤوليته. وتوالت الاتصالات للتشاور مع عدد من النقابيين البارزين ورموز مهمة فى المهنة، وزحف الجميع إلى النقابة، وقرر أعضاء المجلس عقد اجتماع طارئ يوم 29 مايو 1995 وكان النقيب إبراهيم نافع فى مهمة خارج مصر، كما حالت ظروف طارئة رئاسة جلال عيسى النقيب بالإنابة للاجتماع، وتولى ذلك الزميل محمد عبدالقدوس الوكيل الثانى، واتخذ المجلس مجموعة من القرارات التى حكمت مسار المواجهة، ومنها الدعوة لعقد جمعية عمومية طارئة فى 10 يونيو يسبقها مؤتمر عام للصحفيين فى الأول من يونيو والبدء فى اعتصام احتجاجى يوم 6 يونيو لمدة 5 ساعات بمقر النقابة، فى أكبر حركة احتجاجات شهدتها النقابة- حتى وقتها- وغطى الصحفيون جدران نقابتهم بالرايات السوداء، ونشروا قائمة سوداء بأسماء النواب الذين تزعموا تمرير القانون، وأقاموا جنازة رمزية شيعوا فيها حرية الصحافة.

وتوالت مظاهر الغضب، واحتجبت صحف الوفد والشعب والأحرار يوم الجمعة 2 يونيو، والحقيقة السبت 3 يونيو، والأهالى الأربعاء 7 يونيو، وقررت بعض الصحف الاعتصام بكامل محرريها بحديقة النقابة، كما عقد رؤساء أحزاب وتحرير الصحف الحزبية وبعض الصحف الخاصة اجتماعا بحزب الوفد، مساء الاثنين، 29 مايو الذى تقرر فيه تنظيم احتجاب الصحف، كما عقد رؤساء أحزاب المعارضة مؤتمرا صحفيا ظهر الأربعاء 31 مايو، واجتماعا لرؤساء تحرير صحف المعارضة الأربعاء 7 يونيو اتفقوا فيه على مواصلة الحملة على الفساد، ثم الأربعاء 14 يونيو أعلنوا فيه الالتزام الكامل بقرارات الجمعية العمومية للصحفيين، وفى 18 يونيو عقد مؤتمر حاشد بمقر حزب الوفد شاركت فيه كل القوى الديمقراطية، وكان يوما مشهودا.

كنا قد قررنا فور صدور القانون وقبل عقد الجلسة الطارئة لمجلس النقابة إصدار بيان يوم 28 مايو أعلنا فيه الرفض القاطع لهذا القانون، الذى يستهدف حرية الصحافة ولا يحترم المصالح العليا للوطن، وأن ينقل زميلنا الراحل جلال عيسى موقف النقابة فى كلمته فى الاحتفال بعيد الإعلاميين- نيابة عن النقيب- أمام الرئيس مبارك، وطلب عدم التصديق على القانون وإعادته للبرلمان وطرحه للمناقشة العامة واستطلاع رأى الصحفيين، ولكن كانت الأمور تتطور بسرعة وكرة النار تكبر والدولة تصم أذنيها، وارتفع مؤشر درجة حرارة الحدث إلى الذروة ليقترب من الغليان، وتحول مبنى النقابة القديم إلى خلية عمل. ووسط تعبيرات الغضب والرفض التى تزايدت وتيرتها فى الصحف وفى مقالات كبار الكتاب، ومبادرات التضامن والتأييد من كل حدب وصوب، انتبهت أن صوتا مهما وفريدا لم نكن قد سمعناه بعد، وهو الأستاذ محمد حسنين هيكل، وفكرت فى مخاطبته وظنى أن حماسى يغلبنى، لكن لم يكن غير الحماس هو الذى يصيغ تفاصيل هذه اللحظات، وبعثت له برسالة على الفاكس لا تزيد عباراتها على: «جمعيتنا العمومية بعد غد السبت.. ما زلنا ننتظر كلمتك»، وطلبنى للحضور إلى مكتبه قبل ظهر الجمعة، وعندما دخلت عليه بادرنى: «طلبت كلمتى وعدت إلى مكتبى فى يوم عطلة لكى أكتبها، فلك ما طلبت وأنت مؤتمن عليها».

كانت كلمته التى ألقيتها أمام الجمعية العمومية الحاشدة حدثا مدويا، أعطت وقودا وزادا لمعركة استمرت نحو العام، وخرجت بالقضية إلى آفاق أرحب، وأصبحت من الأدبيات المهنية والنقابية والسياسية الرفيعة، وجاء فى كلمته: «إن هذا القانون استفزنى كما استفزكم واستفز الرأى العام وحملة الأقلام وكل القوى السياسية والنقابية والثقافية فى البلد، وأشهد آسفا أن وقائع إعداد القانون كانت أقرب إلى أجواء ارتكاب جريمة منها إلى أجواء تشريع عقاب، وأنه يعكس أزمة سلطة شاخت فى مواقعها»، واختتم كلمته: «لقد أحزننى تصريح للرئيس بأنه إذا التزم الصحفيون بميثاق الشرف، فإن القانون الجديد ينام من نفسه، وأنه مع كل الاحترام لمقام رئاسة الدولة، فإن القوانين لا تعرف النوم وإنما تعرف السهر، وهى لا توضع لتنام بكرم العفو أو بسحر المغناطيس، وإنما قيمة القوانين أن تعلو حركتها الذاتية فوق إرادات الأفراد». وأمام الضغوط العاتية والمقاومة المتصاعدة ووحدة الصحفيين وتماسكهم والتفافهم حول نقابتهم، تحول الأداء الرسمى من العناد إلى الارتباك، ثم بدأ مسار البحث عن حل، وتسلم الدكتور أسامة الباز ملف الأزمة، وبدأ اتصاله فى الكواليس بعدد من كبار الصحفيين والنقابيين للبحث عن صيغة للخروج من هذه الأزمة.

وتمت دعوة مجلس النقابة للقاء عدد من المسؤولين، فالتقينا وزير الداخلية الثلاثاء 13 يونيو، ثم وزير الإعلام السبت 17 يونيو، ثم الرئيس مبارك فى 21 يونيو، وكان هو اللقاء الأول، حيث تم لقاء ثانٍ فى يونيو 1996 حضره مع النقيب وأعضاء المجلس كل النقباء والنقابيين السابقين، وكان فى مقدمتهم كامل زهيرى الذى أعتز أننى أطلقت عليه خلال هذه المعركة تقديرا لدوره لقب نقيب النقباء، وشيخ الصحفيين حافظ محمود، الذى ما زلت أحتفظ له بانطباع لا يغادرنى، فهو قامة معجونة بالكبرياء والاستغناء، ولم يخش قول الحق فى حضور السلطان.

وظلت الجمعية العمومية فى حالة انعقاد مستمر لنحو عام، وتم الدخول فى سيناريوهات حل الأزمة، ومعها بدأت المناورات الحكومية والرهان على انحسار موجة الغضب، لكن الجمعية بكل تنوعها سهرت على رعاية قراراتها وتحقيق هدفها الرئيسى بإسقاط القانون، واستغلت النقابة مساندة قوى كثيرة لها، ونوّعت فى وسائل حركتها فأعدت مشروع قانون بديل دخلنا به مواجهة مع لجنة مشتركة أغلب عناصرها حكوميون، ثم عقد المؤتمر العام الثالث للصحفيين فى سبتمبر 1995 والذى خرج بتوصيات مهمة لملامح الخطوط العريضة لأى مشروع بديل، يمكن أن يقبله الصحفيون، وصممنا استبيانا تم توزيعه على المرشحين لعضوية البرلمان لمعرفة اتجاهاتهم إذا دخلوا البرلمان من هذا القانون، وكان إعلان نتائجه دعما وانتصارا لمطالبنا، وذهبت بصحبة بعض الزملاء فى جولات مع كامل زهيرى، إلى عدد من دوائر النواب الذين رفضوا القانون وأعادوا ترشيح أنفسهم فى الانتخابات، لإعلان تضامننا معهم ومنحهم شهادات تقديرية باسم النقابة لدعمهم حرية الصحافة.

وعندما بلغت ألاعيب الحكومة ذروتها فى الالتفاف على الحلول التى كان يتم التفاهم أو الوصول لها قرر مجلس النقابة تصعيد المواجهة وتقديم استقالة جماعية وأعلن إبراهيم نافع، الذى انحاز لإرادة الصحفيين انضمامه إليهم فى اجتماع للجمعية العمومية. وتأزم الموقف وهنا تحدد اللقاء الثانى مع رئيس الجمهورية وبدا طريق انفراج الأزمة، وتم إلغاء القانون المشبوه بصدور القانون ٩٦ لعام ١٩٩٦.

هى معركة كبرى انتصرت فيها إرادة المصريين وليس الصحفيين وحدهم، دفاعا عن حقهم فى صحافة حرة، وأؤكد أن تسجيل كل تفاصيلها دين لا بد أن نوفيه للأجيال الحالية، التى أضافت لتاريخ النقابة بعد ٢١ عاما يوما آخر مجيدا فى ٤ مايو من العام الماضى، دفاعا عن كرامة النقابة ورفض اقتحامها.

إن تذكير أنفسنا بكل ما جرى والافتخار بمعاركنا دفاعا عن المهنة والنقابة، هما الكفيلان وحدهما بإفشال كل محاولات هدم الكيان النقابى أو إضعافه أو تغيير مساره، أو تغييب الدور الأصيل والحقيقى الذى قام من أجله، وهما الكفيلان أيضا بأن يمدنا بطاقة مقاومة لما يجرى وما يحاك الآن، فمواقع صحفية تغلق، وضمانات كفلها القانون فى قضايا النشر تضيع، ومشروعات حاضرة فى البرلمان تستهدف مزيدا من التضييق على الهامش المضيق، ودستور نعطى له ظهورنا، وهيئات أرادها القانون مستقلة، تحوّلت إلى أجهزة رقابة وقمع يقوم رئيس أحدها بتقديم البلاغات ضد الصحفيين!

شارك برأيك

شاهد أيضاً

عبدالله السناوي يكتب: تدخل جراحى فى كامب ديفيد

إذا ما أنزل العلم المصرى من على جزيرتى «تيران» و«صنافير» فإننا أمام أول وأخطر تعديل …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.