اخر الاخبار
الرئيسية / مقالات / عمرو عبد الرحمن يكتب : برونتي و نهلة .. والفجوة الحضارية

عمرو عبد الرحمن يكتب : برونتي و نهلة .. والفجوة الحضارية

مع انتهاء الموسم الكروي الأوربي أبدأ دائمًا رحلة  التفكير في طريقة لشغل الفراغ الذي تتركه كرة القدم خلال فصل الصيف ، واتجه بنظري صوب  بطولات كرة القدم المجمعة والألعاب الأخرى لتعويض الشغف المشتعل داخلي باستمرار ، وبنظرة للتقويم تذكرت إننا نعيش سنة فردية تقل فيها الأحداث الرياضية المهمة مقارنة بالسنوات الزوجية ،فلا شئ يعوض الألعاب الأولمبية و كأس العالم وبطولة الأمم الأوربية لكرة القدم وكلها تأتي في السنوات الزوجية ، و وسط هذه الأفكار رجعت بي الذاكرة لعام ماض عشت خلاله زخم رياضي جميل خلال متابعتي لأولمبياد “ريودي جانيرو ” والمقارنة بين هذه الأيام والهدوء المنتظر خلال الصيف والذي لن تسمن فيه من جوع بطولات مثل كأس القارات وكوبا أمريكا وبطولة العالم لالعاب القوي جعلتني أغوص أكثر في تفاصيل ذكريات الألعاب الأولمبية .

و تذكرت  بحكم أقامتي في العاصمة الاسترالية “سيدني”  الحفل الذي أقامته الحكومة الأسترالية لبعثة أستراليا العائدة من اوليمبياد 2016 ، وكان الحفل بسيط جدا و محترم جدا و شعرت من خلال الحضور الكبير مدى تقدير المجتمع الأسترالى بما حققه هؤلاء الأبطال حتى من لم يوفقوا منهم و من خلال التفاف الناس حول ابطالهم و التحية الحارة التى وجهها البعض للرياضيين ، و حضور العديد من الرحلات المدرسية إلى الحفل للقاء النجوم حتى يأخذوا المثل الأعلى من هؤلاء الأبطال ، الحفل تكرر بعدها فى أكثر من مدينة استرالية مثل ملبورن و بريسبين و هوبارت و بيرث و مدن أخرى لكنى أكتفيت بحضور حفل سيدنى.

وكانت استراليا تملك وقتها بطلتين فى سباحة المسافات القصيرة الحرة هما الأختين كايت و برونتي كامبل , “كايت” تكبر برونتى بعام واحد وكانت صاحبة الرقم العالمى لسباق 100 متر حرة” 52.06 ثانية ” حققته قبل الأوليمبياد بشهر واحد بينما أختها” برونتي” هى صاحبة ذهبية بطولة العالم 2015 فى كازان.
كايت نجحت أيضا فى كسر الرقم الأوليمبى مرتين خلال الدور الأول و الدور قبل النهائى، كل هذا المقدمات كانت تؤدى إلى ذهبية مضمونة للسباحة الاسترالية فى 100 متر حرة سيدات تفوز بها كايت أو برونتي، لكن المفاجأة كانت خسارة البطلتين السباق النهائى و حلت “برونتي” فى المركز الرابع و شقيقتها فى المركز السادس، الأمر نفسه تكرر فى سباق 50 متر حرة لنفس السباحتين فجاءت “كايت” فى المركز الخامس و” برونتي” فى السابع و إن كانت فرصة السباحتين أكبر فى سباق الـ100 متر ، المهم كمتعاطف مع السباحتين كنت اتعجب جدا خسارتهما للسباقين ، فما أن وجدتهما حتى ذهبت لبرونتي كامبل و سألتها عن أسباب الخسارة، فردت ردا عبر عن مدى احساسها بسخافتي و عدم تقديري للموقف ” ببساطة لأنه كان هناك ثلاث سباحات أفضل مني !!!”

كانت هذه واحدة من الصدمات الحضارية التى تلقيتها هنا منذ مجيئي للاقامة فى سيدنى ,وكان يبدو أنى لازلت أعيش فى وهم المنافسات الرياضية و النعرات بين الرياضيين و الجمهور، ولكني ادركت أن الناس هنا تفكر بشكل مختلف، لا وجود للهيستيريا التى نُحدثها عند فوز بطل بميدالية أو خسارة بطل لأخرى ، الكل فرح و سعيد بمجهود هؤلاء الأبطال و استطاعتهم التأهل إلى الأوليمبياد فمن فاز بميدالية أو تأهل لأدوار نهائية ينال التحية على مجهوده و من لم يستطع فله تحية أيضا لقدرتة على التأهل مع تمنيات بدوام التألق و مشاركة أفضل فى طوكيو 2020، فى أيام البطولة كانت القناة الأسترالية المسؤولة عن تغطية أخبار البعثة تستقبل كل اللاعبين بعد انتهاء مسابقاتهم بالتحية أيا كانت النتيجة و حتى اللاعب الخاسر يخسر و يقابل القناة بابتسامة خفيفة لأن الجميع يعلم أنها رياضة فوز و هزيمة و لا تعيب الخسارة صاحبها .

هذه القصة تنقلنا للحديث عن تعاملنا فى مصر مع الرياضة على أنها فوز و هزيمة فلا يوجد من يحيي رياضي على تأهله للأوليمبياد برغم المصاعب المادية و الظروف الاجتماعية (خصوصا للفتيات) و الأعباء الكثيرة التى توضع على كاهل اللاعبين لكننا نذكر دائما أن فلان فاز و فلان خسر و من يخسر يجب ذبحه بالإضافة للضغوط الضخمة التى توضع على كاهل من يشارك و كأنه مسؤول عن تعويض الفشل الذريع الذى نعانى منه فى حياتنا كمصريين.

نهلة رمضان مثلا فى أوليمبياد أثينا 2004 ذهبت للدورة على أساس أنها بطلة العالم و مرشحة بقوة لخطف الذهب أو على الأقل ميدالية لكن يبدو أنها من هول الضغوط الملقاه عليها رفعت رفعتين خطف و فشلت فى الثالثة و فشلت محاولاتها الثلاث فى النطر بالرغم من أنها كانت فى المتناول بالنسبه لها وقتها ، خسرت نهلة فسلطنا عليها لعناتنا و كأنها تسببت فى النكسة حتي أجبرناها علي الاختفاء و من يتذكرها يتذكر فشلها فى أثينا 2004 دون تقدير لانجازها فى بطولة العالم 2003 فى “فانكوفر” بكندا عندما فازت بالميدالية الذهبية لتصبح الفتاة العربية الوحيدة حتى الآن التي فازت بميدالية فى بطولة العالم و من قبلها فازت ببرونزية بطولة العالم 2002 فى وارسو عاصمة بولندا لكن و حتى تثبت قوتها كان يجب أن تفوز بميدالية أوليمبية  أو فلتركب قطار الفاشلين.

المشاركة فى الأوليمبياد بشكل عام شرف يتسابق عليه الرياضيون بكل أعراقهم و أجناسهم و الفوز فى الأوليمبياد انجاز كبير لكن الخسارة ليست جريمة أو فرصة للاتهام ، فالرياضى يبذل الكثير فى سبيل الوصول لهذه المكانة و محاسبته على نجاحه و فشله فى مباراة رياضيه ظلم كبير فهو ناجح دون حتى أن يشارك.

شارك برأيك

شاهد أيضاً

نعيد نشر مقال عمرو بدر: وهل يستمع السيسي إلى الأسئلة؟!

(1) ككل الأنظمة التي تظن أنها تحتكر الحقيقية لا يستمع السيسي إلي الأسئلة.. لا يلتفت …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.