اخر الاخبار
الرئيسية / مقالات / حسام مؤنس يكتب :مكرم محمد أحمد .. الوصاية على الصحافة باسم الوطن

حسام مؤنس يكتب :مكرم محمد أحمد .. الوصاية على الصحافة باسم الوطن

(1)
(بئس المشكلة وبئس الحل لأن مهامنا الضخمة ينبغى ألا تصغر إلى حد الاعتقاد بأن إسكات صوت واحد معارض هو الذى سوف يحقق أمن مصر واستقرارها!، ويساعد بسطاء المصريين على ابتلاع بلايا الغلاء!، ويمكن مخططو السياسة الاقتصادية فى مصر من الهبوط بسعر الدولار إلى سعر أكثر عدلا لايغبن الجنيه المصرى إلى هذا الحد الظالم!، فربما يجوز ان نعيد النظر فى امر إبراهيم عيسى قربانا لمصالح هذا الوطن!.)
كانت هذه الكلمات جزءا من رأى مكرم محمد أحمد ، قبل أن يصبح الرئيس الحالى للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ، فى مقاله بجريدة الأهرام فى ديسمبر الماضى ، تعليقا على إثارة مجلس النواب وقتها لأزمة بسبب برنامج إبراهيم عيسى على قناة القاهرة والناس ، قبل أن يقرر مجلس النواب لاحقا وبعد وقف البرنامج التليفزيونى ، أن يتقدم ببلاغ للنائب العام ضد عيسى وجريدة المقال بسبب (مانشيتات صحفية) ، وهو نفس المنهج الذى قرر السيد مكرم محمد أحمد إتباعه فى تناقض واضح مع رأيه السابق ، بل وكان تقديره وقتها أن إبراهيم عيسى (لم يشكل أبدا ضررا على امن مصر واستقرارها وكان فى كل احواله مفيدا، ليس فقط لانه يعترض وينتقد، ولكن لانه يرسم أيضا الخط الفاصل الدقيق بين شطط القول وصريح العبارة) ، لكن يبدو أن رأى مكرم الصحفى غير موقف مكرم رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ، وربما هذه دائما هى مشكلة المناصب والمواقع الرسمية التى تغير وتحول آراء ومواقف أصحابها إلى النقيض ، مهما حاولوا الإدعاء بأنهم يدافعون عن الوطن أو المهنة ، بينما هم فى حقيقة الأمر يجسدون إرادة السلطة وتوجهاتها مهما تناقضت مع أقوال وآراء سابقة لهم .

(2)
(لا يجوز لعضو النقابة إتخاذ أى إجراءات قضائية ضد عضو آخر بسبب عمل من أعمال المهنة إلا بعد إبلاغ شكواه إلى مجلس النقابة وفقا لأحكام المادة 48 من هذا القانون ومضى شهر على الأقل من تاريخ إخطار مجلس النقابة ويجوز فى حالة الإستعجال عرض الأمر على النقيب) ، ليس هذا رأينا بل هو نص قانون نقابة الصحفيين التى ينتمى لها الأستاذ مكرم محمد أحمد ، لا كمجرد عضو ، بل أيضا نقيب سابق لها ، ومع ذلك فقد جاء خطاب الرجل بصفته رئيسا للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام إلى نقيب الصحفيين لتخطره رسميا بأنه أرسل بلاغا للنائب العام يطلب فيه التحقيق فيما تشمله ستة مقالات نشرتها جريدة المقال معتبرا أنها (تثير الفتنة بين المسلمين والأقباط وتؤكد للأقباط أن الدولة عاجزة عن حمايتهم إضافة لإهانات أخرى بالغة للدولة والأزهر الشريف) ، وهو موقف مذهل ، لا فقط بإجراء التقدم ببلاغ للنائب العام ضد مقالات صحفية ، بل بمضمون التعبيرات التى صاغها نقيب صحفيين سابق فى خطابه لنقيب الصحفيين الحالى ، والتى تبدو تعبيرات أقرب لبلاغ أمنى أكثر من كونها صادرة عمن شغل موقع نقيب الصحفيين سابقا . لكن المذهل أكثر هو أن الخطاب وجه دعوة لمجلس نقابة الصحفيين ليتخذ ما يراه إزاء الأمر بإعتبار أن (النقابة هى الجهة الوحيدة المسئولة عن حساب أعضائها) ، ومع ذلك فقد تجاوزها السيد مكرم محمد أحمد متوجها ببلاغه مباشرة للنيابة العامة .. ولم يتوقف الأستاذ مكرم عند هذا الحدود ، بل نصب من نفسه وصيا يحدد ما هو رأى وما هو ليس كذلك ، ويحدد ما هى مصلحة الوطن وما يتناقض معها ، ليبدو متسقا ومنسجما تماما مع توجهات السلطة التى تحتكر الوطنية وتدعو للإصطفاف دائما ورائها بإعتبارها صاحبة الحق الحصرى فى التعبير عن مصلحة الوطن والمعرفة بها . ثم أن الأستاذ مكرم أعلن بوضوح شديد أن الطريقة الوحيدة لتنازله عن بلاغه للنائب العام ، هى أن يقول المشكو فى حقه وهو إبراهيم عيسى رئيس تحرير جريدة المقال أنه مسئول عن تعديل توجه الجريدة وأنه مسئول عن الحفاظ على مصر موحدة فى مواجهة الارهاب وتكاتف المسلمين والمسيحيين ، وكأن عيسى والصحفيين بالجريدة هم المسئولين عن الفشل فى مواجهة الإرهاب وتكرار حوادثه ، وكأنهم هم القادرين على تكاتف المسلمين والمسيحيين دون التصدى لأسباب الفتنة الحقيقية وكشفها ، وكأن علينا جميعا أن نصطف وراء رؤية ورأى الأستاذ مكرم وإلا فمصيرنا هو بلاغاته للنيابة العامة التى يرى الرجل أنها طريقته فى محاسبة الإختلاف فى الرأى والرؤية !

(3)
رغم أن نص قانون الهيئات الإعلامية يمنح للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام الحق فى أن (يحرك المجلس الأعلى من تلقاء نفسه، أو بناء على شكوى تقدم إليه، الدعاوى القضائية عن أي مخالفة لأحكام هذا القانون أو إذا رصدت لجنة تقويم المحتوى انتهاكا من أية مؤسسة صحفية أو إعلامية للقواعد والمعايير المهنية والأعراف المكتوبة) ، إلا أنه كذلك يحدد من بين إختصاصاته (وضع القواعد والمعايير المهنية الضابطة للأداء الصحفي والإعلامي والإعلاني بالاشتراك مع النقابة المعنية) ويعطى الأولوية لأن يكون (إحالة الصحفي أو الإعلامي إلى النقابة المعنية لمساءلته في حال توافر الدلائل الكافية على صحة ما جاء في الشكوى ضده) وهو ما يتفق مع الأصول المهنية التقليدية فى مثل هذه الأحوال ، فضلا عن أن من بين الأهداف الأساسية للمجلس الذى يفترض أنه هيئة مستقلة ، أن يعمل على ضمان وحماية حرية الصحافة والإعلام وبالأخص (ضمان استقلال المؤسسات الصحفية والإعلامية وحيادها وتعددها وتنوعها) ، ومن ثم فإن توجه المجلس ورئيسه إلى تقديم البلاغات مباشرة ، لا يمثل فى واقع الأمر سوى ميل لممارسة دوره فى إطار توجهات السلطة الحالية من تضييق على الحريات بشكل عام ومن بينها حرية الصحافة والإعلام ، وبدلا من مواجهة الكلمة بالكلمة والرأى بالرأى ، يلجأ الجهاز المسئول عن ضمان حرية الصحافة والإعلام وضمان إستقلال وتعدد وتنوع المؤسسات الصحفية والإعلامية إلى تقديم البلاغات ضد مقالات الرأى الصحفية ! وهو سلوك لا يمكن تفسيره فقط فى إطار مخالفة التقاليد المهنية ، ولا الأعراف النقابية ، ولا تجاوز نص قانون النقابة وأولويات قانون الهيئات الإعلامية ، بل ينبغى وضعه فى إطاره الأشمل حول توجهات واضحة تتسارع إجراءاتها على قدم وساق فى مواجهة كل رأى مختلف وكل مساحة لحرية الرأى والتعبير .

(4)
التساهل مع ما جرى ويجرى بإعتباره (قرصة ودن) بحسب تصريح سكرتير عام نقابة الصحفيين يصل بنا إلى مستويات غير مسبوقة من التعامل مع الأمور ، فبدلا من أن تكون الصحافة هى بحسب طبيعتها ودورها السلطة الرابعة التى تنتقد وتقرص ودن السلطة أصبحت هى من يتعرض لقرص الودن كى تتراجع عن بحثها عن مساحات من الحرية والإستقلال ، لكن الأسوأ أن ذلك يتم الآن عبر من يفترض بهم أن يواجهوه لا أن يمارسوه ، وهى أكبر مشكلة تواجه مهنة الصحافة والإعلام بشكل خاص وغيرها من القطاعات والمجالات ، فقد أوكلت السلطة للكثير من الجهات القيام بأدوار قد تسئ للسلطة وتعرضها للنقد إذا جاءت منها ، وهو ما يتكرر فى مواقف وأزمات كثيرة يجرى فيها تبادل الأدوار والمقاعد كى تنجو السلطة بنفسها من التعرض لمزيد من سهام النقد بإحالتها لغيرها ، وهو وضع يتواصل فيه تكسير كل القواعد وتجاوز كل الحدود ، التى ربما لا تختلف من حيث مضمون ما يجرى ممارسته ، لكن على الأقل كانت هناك فى عهود سابقة مساحات ولو هامشية من الحفاظ على حد أدنى من الشكل الملائم ومن مراعاة أدوار كل طرف ، وهو ما يبدو أنه لم يعد مهما الآن ، فى ظل تجبر وتغول لم نشهد له مثيلا من قبل .
جوهر القضية هنا ليس موقف مكرم محمد أحمد والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ، ولا الدفاع عن جريدة المقال ورئيس تحريرها ، بل ولا حتى فى أنه ليس من حق أحد أن ينصب نفسه وصيا على حرية الصحافة وحق التعبير ، فربما كان هؤلاء ممن ينتقدون ويختلفون ويعارضون أحرص على الوطن ممن يتصورون أنهم يحتكرون الوطنية أو يدركون مصالح الوطن أكثر من غيرهم ، وربما كان هؤلاء الذين يكشفون مخاطر وأخطاء الطريقة الحالية فى مواجهة الإرهاب والتطرف هم الأكثر حرصا على توحد المسلمين والمسيحيين فى دولة حقيقية قادرة على حماية كل مواطنيها بدءا من مواجهة التمييز والإنحياز لمفهوم المواطنة ومرورا بإحترام التنوع والتعدد والإختلاف ووصولا إلى مواجهة التطرف والإرهاب من جذوره لا فقط ظواهره .. لكن ما هو أهم فى واقع الأمر ، أن الهجمة على حرية الصحافة والتعبير تأتى فى سياق أعم وأشمل من تضييق قبضة السلطة على كل المساحات ، وأن يأتى ذلك عبر المنتسبين والمحسوبين على المهنة نفسها ، بما يحطم أية قواعد حد أدنى ويفتح الباب أمام ألا تصبح هناك قواعد حاكمة على الإطلاق .

شارك برأيك

شاهد أيضاً

مروة مغربي تكتب: سارة مهنى.. طوبى للفتاة التي تحمل التجربة

انتى كويسة؟ طمنيني ع الناس ؟ تعانقنى بقوة ثم تطمئني .. متقلقيش ربنا معانا .. …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.